مفهوم القــانـون

مفهوم القــانـون –

فريدريك باستيا

 

كان فريدريك باستيا (1801-1850) اقتصادياً ورجل دولةٍ وكاتباً فرنسياً. وكتب أغلب مؤلفاته في السنوات التي سبقت والتي تلت ثورة شباط عام 1848. وكانت تلك هي الفترة التي انتقلت فيها فرنسا إلى الاشتراكية التامة. وكنائبٍ للمجلس التشريعي، كان باستيا يدرس ويفسر كل مغالطةٍ أو عيب اشتراكي بمجرد ظهوره. وشرح كيف أن الاشتراكية لابد من أن تنحدر إلى شيوعية. إلا أن معظم أبناء وطنه أهملوا منطقه هذا.

ترجمه عن الفرنسية : دين راسل

 الجزء الأول 

انحرف القانون! وانحرفت معه قوات شرطة الدولة! وأقول إن القانون لم يتغير ويحيد عن هدفه الأصلي فحسب، بل إنه أخذ يسعى إلى غايةٍ مناقضةٍ تماما! لقد أصبح القانون سلاحاً لكل نوعٍ من أنواع الجشع! بدلاً من متابعة الجريمة، أصبح القانون نفسه مذنباً بالشرور التي يفترض به أن يعاقبها!

إن كان هذا صحيحاً، إذن فهي حقيقة جدية، ويقتضي واجبي الأخلاقي أن أجذب انتباه أخوتي المواطنين إليها.

الحياة هبةٌ من الله

نحن نحمل هبة الله التي شملت جميع الآخرين. هذه الهبة هي الحياة – الجسدية، الذهنية، والحياة الأخلاقية.

ولكن الحياة لا تستطيع وحدها الحفاظ على نفسها بمفردها. لقد ائتمننا خالق الحياة وحمّلنا مسؤولية الحفاظ عليها وتطويرها وإكمالها. ومن أجل إنجاز ذلك، فقد حبانا الله بمجموعة من الملكات والاستعدادات الطبيعية المذهلة. كما وضعنا الله وسط تنوع من الموارد الطبيعية. ومن خلال تطبيق ملكاتنا وقدراتنا على هذه الموارد، فإننا نحولها إلى منتجاتٍ ثم نستخدمها. وهذه العملية ضرورية جداً من أجل أن تسير الحياة مسارها المحدد.

الحياة، القدرات، والإنتاج – بعبارة أخرى، الفردية، الحرية، والملكية – هذا هو الإنسان وعلى الرغم من احتيال القادة السياسيين الماكرين، فإن هذه الهبات الإلهية الثلاث تسبق كل التشريع البشري، وهي أسمى منه.

الحياة، والحرية، والملكية لم تتواجد لأن البشر قد صنعوا القوانين. على العكس، فإن الحقيقة القائلة بان الحياة، والحرية، والملكية قد وجدت قبل ذلك بكثير، هي التي جعلت الناس يصنعون القوانين ويضعونها في المقام الأول.

ما هو القانون؟

ما هو القانون إذن؟ إنه التنظيم الجمعي للحق الفردي للدفاع القانوني.

كلٌ منا لديه حق طبيعي – من الله – لحماية شخصه، حريته، وملكيته. وهذه هي المستلزمات الأساسية للحياة. والحفاظ على أي واحدة منها يعتمد بشكل كامل على الحفاظ على الأخريين. ما هي قابليتنا واستعداداتنا إن لم تكن امتداداً لفرديتنا؟ وما هي الملكية إن لم تكن امتداداً لقابليتنا؟

إذا كان للفرد حق الدفاع عن شخصه، وحريته، وملكيته - ولو بالقوة - إذن يترتب على ذلك إن أية مجموعة من الناس لها الحق في تنظيم ودعم قوة عامة معينة لحماية هذه الحقوق بشكل مستمر. ويعتمد مبدأ الحق الجمعي هذا – وسبب وجوده وشرعيته – يعتمد على الحق الفردي. والقوة العامة التي تحمي هذا الحق الجمعي لا يمكن منطقياً أن تمتلك أية غايةٍ أخرى أو أية رسالة أخرى غير تلك التي تعمل كبديل لها. لذا، طالما لا يستطيع الفرد شرعياً استخدام القوة ضد شخصِ أو حرية أو ملكية فردٍ آخر، إذن فالقوة العامة - للسبب ذاته - لا يمكن أن تستخدم قانونياً لتدمير شخص أو حرية أو ملكية الأفراد أو المجموعات.

إن مثل هذا الانحراف في القوة سيكون في كلتا الحالتين، مناقضاً لمنطلقنا. لقد أُعطينا القوة لكي نحمي حقوقنا الفردية. ومن الذي يجرؤ على القول أن القوة قد أُعطيت لنا لندمر الحقوق المتساوية لإخواننا؟ وبما أن أي فردٍ كان لا يستطيع أن يستخدم القوة بشكل قانوني ليدمر حقوق الآخرين من خلال العمل المنفرد، ألا يترتب على ذلك أن المبدأ نفسه ينطبق أيضاً على القوة العامة، وما هي إلا دمج أو توحيد منظم للقوى المنفردة؟

إن صح ذلك، فلا شيء أكثر وضوحاً من النقطة التالية: القانون هو تنظيم الحق الطبيعي للدفاع القانوني. إنه استبدال القوى الفردية بقوة عامة وعلى هذه القوة العامة أن تعمل ما يحق للقوى الفردية أن تعمله فقط ولديها الحق الطبيعي والقانوني في ذلك؛ أن تحمي الأشخاص والحريات والملكيات؛ أن تحافظ على حق كل فرد، وان تجعل العدالة تحكم فوقنا جميعاً.

حكومة عادلة وثابتة

إذا ما كانت الأمة قد نشأت على هذا الأساس، يبدو لي أن النظام سيعم بين الناس، في الفكر وكذلك في العمل. يبدو لي أن أمةً كهذه ستكوّن أو تؤسس الحكومة الأكثر بساطة، والأسهل في التقبل والأكثر اقتصادية ومحدوديةً، والأكثر ابتعاداً عن القمع، والأكثر عدالة، والأطول عمراً بين الحكومات التي يمكن تخيلها – مهما كان الشكل السياسي لتلك الحكومة.

وفي ظل إدارة كهذه، سيفهم كل فرد أنه يمتلك جميع امتيازات وجوده ومسؤولياته. سوف لن يتجادل أي فرد مع الحكومة، شرط أن يُحتَرَم ذلك الشخص، ويكون عمله حراً، وان تُحمى ثمرات جهده ضد أي هجوم غير عادل. عندما نكون ناجحين، ليس علينا أن نشكر الدولة على نجاحنا. وبالعكس، عندما نخفق أو يصيبنا مكروه، فإن تفكيرنا في إلقاء اللائمة على الدولة سيكون أشبه بلوم المزارعين للدولة على الصقيع أو البرد [الذي يتلف مزارعهم]. إن الدولة تُستَشعَرُ فقط من خلال بركات الأمن القيّمة التي يوفرها هذا المفهوم للحكومة.

ونستطيع أن نذكر هنا لغرض الإضافة، أن الشكر كل الشكر إلى عدم تدخل الدولة في الشؤون الخاصة، لأن حاجاتنا وتلبية حاجاتنا ستتطور جميعها في سياق منطقي. سوف لا نرى عوائلَ فقيرة تبحث عن التعليم الأدبي قبل أن تمتلك خبزاً. سوف لا نرى مدناً تتفاقم سكانياً على حساب الضواحي الريفية، كما لا نرى الضواحي الريفية تمتد على حساب المدن. سوف لا نرى انزياحات كبيرة في رأس المال، والجهد، والسكان تتسبب فيها قرارات المجلس التشريعي.

لقد أصبحت مصادر وجودنا قلقة ومشكوك فيها بواسطة هذه الانزياحات التي خلقتها الدولة. إضافة إلى ذلك، فإن هذه الأفعال تثقل كاهل الحكومة بمسؤوليات متزايدة.

الانحراف التام للقانون

ولكن لسوء الحظ، لم يُقَيّد القانون نفسه ويلتزم بوظائفه الحقيقية. وعندما تجاوز وظائفه الحقيقية، فإنه لم يفعل ذلك في قضايا غير منطقية أو غير مهمة أو في قضايا جدلية. بل ذهب القانون إلى ابعد من ذلك؛ واخذ يعمل على نقيض أهدافه تماماً. لقد استُخدِم القانون لتحطيم هدفه الخاص: لقد استخدم لمحق وإبادة العدالة التي كان يفترض به أن يحافظ عليها، ولتكبيل وتدمير الحقوق التي كان احترامها هو غايته الحقيقية. لقد وضع القانون القوة الجمعية تحت تصرف البعض من عديمي الضمير الذين يرغبون، بلا خوف، في استغلال شخص وحرية وملكية الآخرين. لقد حَوّل النهب إلى حق، من أجل حماية النهب. كما حَوّل الدفاع الشرعي إلى جريمة، من أجل معاقبة الدفاع الشرعي.

كيف تم هذا الانحراف في القانون؟ وما هي نتائجه؟

لقد افسد القانون بتأثير سببين مختلفين تماماً: الجشع الأحمق و[النزعات] الخيرية الزائفة. دعونا نتحدث عن الأول.

نزعة البشر المهلكة

حماية الذات وتطويرها تطلعاتٌ شائعة بين جميع الناس. وإذا ما تمتع كل فرد كان بحرية استخدامٍ غير مقيدٍ لقدراته الطبيعية واستخدامٍ حرٍ لثمرات جهوده، سيكون التطور الاجتماعي مستمراً غير منقطع، ثابتاً ولا يخيّب الظنون.

ولكن هناك أيضاً ثمة نزعة أخرى شائعة بين الناس. فعندما يكون بمقدورهم، يرغبون في العيش والازدهار على حساب الآخرين. وليس هذا بالاتهام الأهوج. ولم يأتِ من روحٍ متشائمةٍ قاسية. وسجلات التاريخ حافلة بالشهادات التي تثبت حقيقة ذلك: كالحروب المتتالية، والهجرة الجماعية، والاضطهاد الديني، والعبودية الكونية، وعدم النزاهة في التجارة، والاحتكارات. إن الرغبة المحتومة متأصلة في طبيعة الإنسان ذاتها – في تلك الغريزة البدائية، الكونية، والتي لا تكبح الغريزة التي تدفعه نحو إشباع رغباته بأقل ألمٍ ممكن.

الملكية والنهب

يستطيع الإنسان أن يعيش ويشبع حاجاته من خلال العمل المتواصل فقط، التطبيق المتواصل لقدراته الشخصية على الموارد الطبيعية. وهذه العملية هي أصل الملكية.

ولكن يصحّ أيضاً أن الإنسان قد يعيش ويشبع حاجاته بواسطة الاستحواذ على منتجات الآخرين واستهلاكها. وهذه العملية هي أصل النهب.

والآن، طالما أن الإنسان مجبولٌ فطرياً على تجنب الألم – وطالما أن العمل ألمٌ في حقيقته – فإن ذلك يقود الناس للجوء إلى النهب كلما كان النهب أسهل من العمل. ويوضح التاريخ ذلك بشكل جلي. وتحت هذه الظروف، لا الدين ولا الأخلاق بقادرين على إيقافه.

متى إذن يتوقف النهب؟ يتوقف النهب عندما يصبح أكثر إيلاماً وأكثر خطراً من العمل.

من الواضح إذن أن الغاية الصحيحة للقانون هي استخدام صلاحية قوته الجمعية لإيقاف هذا الميل المحتوم نحو النهب بدلاً من العمل. إن جميع مقاييس القانون يجب أن تحمي الملكية وتعاقب النهب.

ولكن القانون، بشكل عام، يصنعه رجلٌ واحدٌ أو طبقةٌ واحدة من الناس. وطالما كان القانون لا يعمل بدون دعم ومساندة قوة حاكمة، فإن هذه القوة يجب أن تعطى لهؤلاء الذين يصنعون القانون.

تفسر هذه الحقيقة، بالإضافة إلى النزعة المحتومة المتواجدة في قلب الإنسان والتي تدفعه إلى إشباع حاجاته بأقل جهدٍ ممكن، تفسر الانحراف الكوني الشامل تقريباً للقانون. إذن فمن السهل أن نفهم كيف أن القانون، بدلاً من فحص وتتبع الظلم، يصبح سلاحاً لا يُقهر بيد الظلم. من السهل أن نفهم لماذا استُخدِمَ القانون من قبل المُشرّع لأغراض التدمير، بدرجات متفاوتة بين سائر الناس، لتدمير استقلالهم الشخصي بالعبودية، وحريتهم بالقمع، وملكيتهم بالنهب. ويتم هذا لمصلحة الشخص الذي يصنع القانون، وبالتناسب مع القوة التي بيديه.

ضحايا النهب القانوني

يتمرد الناس بشكل طبيعي ضد الظلم الذي يقعون ضحايا له. لذا عندما ينتظم النهب بواسطة القانون لفائدة هؤلاء الذين يصنعون القانون، ستحاول جميع الطبقات المنهوبة الدخول بشكل ما –بالسبل السلمية او الثورية– في عملية صنع القوانين. وهذه الطبقات المنهوبة، حسب درجة معرفتها وتنوّرِها، ستقدم واحداً من هدفين مختلفين تماماً عندما تحصل على السلطة السياسية: إما سيرغبون فعلاً في إيقاف النهب القانوني، أو ربما سيشاركون فيه.

الويل للأمةِ عندما ينتشر الهدف الأخير بين الضحايا الجماعية للنهب القانوني حين يمسكون بدورهم السلطة لصنع القوانين.

وريثما يحصل ذلك، يمارس القلة النهب القانوني على الآخرين، وهي ممارسة شائعة حيث يتحدد حق المشاركة في صنع القانون بأشخاصٍ قليلين. ولكن بعد ذلك، تصبح المشاركة في صنع القوانين شاملة. ويبدأ سعي الناس إلى موازنة مصالحهم المتصارعة من خلال النهب الشامل. وبدلاً من اقتلاع الظلم الموجود في المجتمع، يقومون بتعميم الظلم وتوسيعه. وحالما تحصل الطبقات المنهوبة على السلطة السياسية، تؤسس نظام انتقام وثأر ضد الطبقات الأخرى. وسوف لن يبطلوا أو يلغوا النهب الشرعي. إذ (يحتاج هذا الهدف إلى تنويرٍ اكثر مما يمتلكون.) بدلاً من ذلك سيقلدون وينافسون أسلافهم الشريرين من خلال المشاركة في هذا النهب الشرعي حتى وإن كان ضد مصالحهم الخاصة.

يبدو من الضروري، قبل أن يظهر عصر العدالة، أن على كل فردٍ أن يعاني من الويلات القاسية –البعض منهم كجزاء لشرورهم والبعض الأخر لافتقارهم إلى الفهم.

نتائج النهب الشرعي

من المستحيل تقديم تغييرٍ أعظم، أو شرّ أجسم من هذا إلى المجتمع: تحويل القانون إلى أداة للنهب.

ما هي عواقب مثل هذا الانحراف؟ نحتاج إلى كتبٍ لنصفها جميعاً. لذا سنقتنع بتأشير أبرزها وأكثرها وقعاً.

في المقام الأول، ان هذا الانحراف يمحو من ضمير كل فردٍ الفرق بين العدل والظلم.

لا يستطيع أي مجتمعٍ ان يعيش ما لم تُحتَرَم القوانين إلى درجة معينة. وأسلم طريقةٍ لجعل القوانين محترمة، هي ان نجعلها جديرة بالاحترام، عندما يتناقض القانون والأخلاق مع أحدهما الآخر، سيكون لدى المواطن ان يختار خياراً قاسياً، إما ان يخسر حاسته الأخلاقية، أو يفقد احترامه للقانون، ولكلا الشرين عواقب متساوية، وسيكون من الصعب على الشخص ان يختار بينهما. إن طبيعة القانون هي الحفاظ على العدالة. وهذا هو الحال دائماً في عقول الناس، إذ القانون والعدالة هما شيء واحد لا غير. هنالك ميلٌ قويٌ لدينا جميعاً نحو الاعتقاد بان أي شيء قانوني هو شيء شرعي. ينتشر هذا الاعتقاد بشكل واسع حيث أن العديد من الأشخاص يعتقدون خطأً أن الأشياء عادلة لأن القانون يجعلها كذلك. لذا، من أجل أن يبدو النهب عادلاً ومقدساً للعديد من الضمائر، ليس على القانون سوى أن يُقرّ هذا النهب ويشرّعه ويصادق عليه. فالعبودية والقيود والاحتكار تجد من يدافع عنها ليس فقط في صفوف هؤلاء المستفيدين منها، بل بين الذين يعانون منها أيضاً.

قدر المنشقين

إذا ما أقدمتَ على التشكيك بأخلاقية هذه الأعراف والقوانين، سيقال عنك بكل شجاعة ”أنك مخترعٌ خطر، أو أنك مثالي، أو مُنظّر، أو مخرب هدّام، وأنك ستحطم الأساس الذي بُني عليه المجتمع.“

وإذا ألقيتَ محاضرةً حول الأخلاق أو حول علم السياسة، ستجد أن بعضاً من المنظمات الرسمية تلتمس الحكومة وتتوسل إليها بخصوص هذا المنحى من الأفكار: ”لم يعد هذا العلم يُدَّرَس من وجهة نظر التجارة الحرة (للحرية، والملكية، والعدالة) كما كانت الحال من قبل، ولكن في المستقبل ايضا، سيجري تدريس العلم بشكل خاص من وجهة نظر الحقائق والقوانين التي تنظم الصناعة الفرنسية (الحقائق والقوانين التي تناقض الحرية والملكية والعدالة.) لذلك، في ظروف التعليم الذي تمنحه الحكومة، يحجم الأستاذ بكل صرامة وحذر عن المساس بالقوانين السارية واحترامها ولو بأبسط درجة كانت.“

لذلك، إذا ما وجد قانون يقرّ الرق (العبودية) أو الاحتكار، أو القمع أو السرقة، بأي شكل من الأشكال، فيجب أن لا يذكر ذلك مطلقاً. إذ كيف يمكن أن يذكر دون تحطيم الاحترام الذي يلهمه ذلك القانون؟ إضافة الى ما تقدم، يجب ان تُدرّس الأخلاق والسياسة من وجهة نظر هذا القانون آنف الذكر؛ من خلال الافتراض بأنه يجب أن يكون قانوناً عادلاً طالما كان قانوناً.

تأثير آخر لهذا الانحراف المأساوي للقانون هو أن يعطي أهمية مبالغٌ فيها للحماسات والصراعات السياسية، وللسياسة بشكل عام.

أستطيع ان أبرهن هذا الأمر بآلاف الطرق، ولكن من قبيل الإيضاح، سأحدد نفسي بموضوعٍ شغل عقول الجميع مؤخراً ألا وهو: الاقتراع (الانتخاب) الشامل.

من الذي سوف يحكم؟

سوف لن يتفق معي اتباع مدرسة روسو الفكرية في ذلك –أتباع روسو الذين يعتبرون أنفسهم متفوقين والذين أرى أنهم متخلفون عشرين قرناً وراء العصر. ولكن التصويت أو الاقتراع الشامل –إذا ما استخدمنا العبارة بمعناها المحدد جداً– ليس واحداً من تلك العقائد أو المبادئ المقدسة التي يعد مجرد التشكيك فيها أو تفحصها جريمة نكراء. في الواقع، قد توجّه الكثير من الاعتراضات إلى الانتخاب الشامل.

أولاً، إن كلمة ”شامل“ تخفي مغالطة كبرى. فعلى سبيل المثال، هناك ستٌ وثلاثون مليون نسمة في فرنسا. لذا فإنك إن جعلت حق التصويت شاملاً، يجب أن يكون هناك ستٌ وثلاثون مليون ناخب. ولكن أكثر الأنظمة توسعاً لا يسمح سوى لتسع ملايين نسمة في التصويت. ويستثنى ثلاثة من كل أربعة أشخاص. والأكثر من ذلك، أنهم يستثنون من قبل الشخص الرابع. وهذا الشخص الأخير، يقترب من مبدأ عدم القدرة ويجعله سبباً له وراء استعباد الآخرين.

إذن، فالتصويت الشامل يعني انه شامل بالنسبة لهؤلاء القادرين. ولكن يبقى هناك سؤال حقيقي: من هو القادر؟ هل القاصرون والإناث، والأشخاص المجانين، والأشخاص الذين اقترفوا بعض الجرائم الكبرى، هم الوحيدون الذين وصفوا على انهم غير قادرين؟

السبب وراء تقييد التصويت

إن تفحصاً دقيقاً للموضوع سيظهر لنا الدافع الذي تسبب في جعل حق التصويت مبنياً على افتراض عدم القدرة. والدافع هو أن القائم بالانتخاب أو التصويت (الناخب) لا يمارس هذا الحق لنفسه فقط، ولكن للجميع.

ويتشابه في هذا الخصوص النظام الانتخابي الأوسع والنظام الانتخابي الأكثر محدوديةً. بينما يختلفان فقط فيما يخص الأمور التي تُشكِّل أو تكوّن عدم القدرة. ليس الأمر أمر اختلافٍ في المبدأ بل اختلاف في الدرجة فقط.

إذا ما كان حق التصويت يجئ مع ولادة الشخص، كما يزعم الجمهوريون من اتباع المدرستين الفكريتين الإغريقية والرومانية في يومنا هذا، إذن سيكون من الإجحاف والظلم أن يمنع البالغون النساء والاطفال من التصويت. لِمَ يُمنعون؟ لافتراض انهم غير قادرين. لماذا يكون عدم القدرة حافزاً على استثنائهم لأن الناخب ليس وحده من سيعاني من عواقب الإدلاء بصوته، لأن كل صوت يَمّس الجميع في المجتمع بأسره ويؤثر عليهم، لأن الناس

في المجتمع يمتلكون الحق في المطالبة ببعض الضمانات فيما يتعلق بالأعمال التي يعتمد عليها وجودهم ورفاهيتهم.

الحل هو تقييد القانون

أعرفُ ما يمكن أن يقال كحلٍ لما تقدم؛ ما الذي يمكن أن يكون الاعتراضات، لكن هذا ليس مكاناً ملائماً لندخ في جدلٍ مضنٍ من هذا النوع. أود هنا أن أشير فقط إلى إن هذا الجدل حول التصويت الشامل (كسائر القضايا السياسية الأخرى) يستفز الأمم ويثير غضبها، ويتسبب في سقوطها، سيفقد كل أهميته تقريبا (أي الجدل) إذا كان القانون على ما ينبغي له أن يكون.

في الحقيقة، إذا كان القانون قد صيغ وقُيّـد لحماية الأفراد كلهم والحريات كلها والملكيات كلها، إذا لم يكن القانون سوى دمجٍ منظمٍ لحق الفرد في الدفاع عن النفس؛ إذا كان القانون هو العقبة، والمراقب والمعاقب لكل أشكال القمع والنهب، هل سيكون عندئذٍ من المحتمل أننا سنتجادل كثيراً حول توسيع حق الانتخاب بوصفنا مواطنين؟

تحت هذه الظروف، هل من المحتمل أن توسيع حق التصويت سيعرّض المصلحة العليا والسلام العام الى الخطر؟ أليس من المعقول أن الطبقات المستثناة سترفض الانتظار بسلام حتى تأتى حقوقها في التصويت؟ أليس من المتوقع أن هؤلاء الذين لديهم الحق في التصويت سيدافعون بحماس عن امتيازهم؟

إذا ما كان القانون مقيداً وملتزماً بوظائفه الاعتيادية، فإن اهتمام كل شخص بالقانون سيكون متساوياً. أليس واضحاً في ظل هذه الظروف، أن هؤلاء الذين انتخبوا لا يستطيعون إزعاج هؤلاء الذين لم ينتخبوا؟

الفكرة الحتمية للنهب الشرعي

ولكن من ناحية أخرى، تصور أن هذا المبدأ الحتمي قد جرى تقديمه تحت ذريعة التنظيم، أو الترتيب، أو الحماية، أو التشجيع، يقوم القانون بأخذ الملكية من شخص ويعطيها إلى شخص آخر! يأخذ القانون ثروة الجميع ويعطيها إلى القلة -كثروة المزارعين، أوالصناعيين، أوأصحاب السفن، أوالفنانين، أو الممثلين الكوميديين. تحت ظروف كهذه، ستتطلع كل طبقة دون شك، إلى أن تمسك بالقانون، وهذا شيء منطقي.

ستطالب الطبقات المستثناة بحقها في التصويت بغضب شديد –وستقذف بالمجتمع بدلاً من المحافظة عليه. حتى الشحاذين والصعاليك سيثبتون لك أنهم أيضاً يتمتعون بحق لا يقبل الجدل في التصويت. سيقولون لك: ”إننا لا نستطيع شراء الخمر، او التبغ أو الملح دون دفع الضريبة. وأن قسماً من هذه الضريبة التي ندفعها تعطى من قبل القانون –على شكل امتيازات أو إعانات مالية– إلى رجال أغنى منا. ويقوم آخرون باستخدام القانون لرفع أسعار الخبز، أو اللحم، أو الحديد، أو الملابس. لذا فطالما يقوم كل شخص باستخدام القانون لأجل مصلحته الخاصة، نحن ايضاً نريد استخدام القانون لأجل مصالحنا الخاصة. نطلب من القانون حق الإغاثة وهو نهبُ الفقراء. وللحصول على هذا الحق، لابد أن نكون ناخبين وأعضاء في المجلس التشريعي لكي ننظم التسول على مستوى عالٍ لصالح طبقتنا، مثلما قمتم بتنظيم الحماية على مستوى عالٍ لصالح طبقتكم. الآن لا تقولوا لنا نحن الشحاذين إنكم ستعملون بالنيابة عنا، ثم تقذفون لنا 600,000 فرنك لإسكاتنا، كما اقترح السيد ميميريل، كأنكم تقذفون لنا عظمة لنقظمها. لدينا مطالب أخرى وعلى كل حال، نحن نريد عقد الصفقات لأنفسنا مثلما فعلت الطبقات الأخرى وعقدت الصفقات لانفسها!“

ما الذي تستطيعون قوله جواباً على هذا النقاش!

القانون المنحرف يسبب صراعاً

طالما اعترفنا أن القانون يمكن أن يحيد عن غايته الحقيقية –بمعنى أنه يتجاوز على الملكية بدلاً من حمايتها– لذا فإن كل فرد سيريد المشاركة في صنع القانون، إما لحماية نفسه ضد النهب أو لاستخدامه لغرض النهب. أما القضايا السياسية فستكون مؤذية ومهيمنة وطاغية ومنتفعة على الدوام. وسيكون هناك اقتتال عند باب مبنى المجلس التشريعي، أما الصراع في داخله (أي المجلس) فلن يكون أقل ضراوة. لمعرفة ذلك، قلما نحتاج إلى تتّبع أو تفحّص ما يرشح في الهيئة التشريعية الفرنسية او الإنكليزية؛ لأن مجرد فهم القضية هو معرفة الحل.

هل ثمة حاجة لتوفير برهان على أن هذا الخرق القبيح للقانون هو مصدرٌ أزليٌ للبغضاء وعدم التجانس؛ وأنه يميل إلى تدمير المجتمع نفسه؟ إذا احتجنا إلى مثل هذا البرهان، فإنظروا الى الولايات المتحدة [عام 1850]. إذ ليس هناك من بلدٍ آخر في العالم يحفظ فيه القانون ضمن مجاله المناسب والطبيعي، ألا وهو حماية حرية وملكية كل فرد، أكثر مما في الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، يظهر أن ليس هناك من بلدٍ آخر يستقر فيه النظام الاجتماعي على أسسٍ أكثر ثباتاً [من تلك التي في الولايات المتحدة]. ولكن حتى في الولايات المتحدة، هناك قضيتان –اثنتان فقط– تقلقان وتهددان السلام العام على الدوام.

العبوديةُ نهبٌ والتعريفةُ نهبٌ

ما هاتان القضيتان؟ هما الرق (العبودية) والتعريفة. فهما القضيتان الوحيدتان اللتان يأخذ فيهما القانون دور اللص، خلافاً للروح العامة لجمهورية الولايات المتحدة.

العبوديةُ خرقٌ للحرية، عن طريق القانون. وتعريفة الحماية خرقٌ للملكية، وعن طريق القانون أيضاً.

وإنها لحقيقةٌ واضحةٌ جداً أن هذه الجريمة الشرعية المزدوجة –هي التركة المحزنة الثقيلة المتوارثة من العالم القديم– وممكن أن تكون القضية الوحيدة التي قد تقود إلى دمار الاتحاد، وستفعل ذلك للأسف. إنه من المستحيل حقاً أن نتخيل، في قلب المجتمع، حقيقة مذهلةً أكثر من هذه ألا وهي أن القانون قد اصبح أداةً للظلم. وإذا كانت هذه الحقيقة ستجلب عواقب وخيمة على الولايات المتحدة– التي انحرف فيها القانون عن غايته الطبيعية فيما يخص العبودية والتعريفة فقط– فما الذي ستكون عليه الحال، وكيف تكون العواقب في أوروبا، حيث صار انحراف القانون مبدأً ونظاماً؟

نوعان من النهب

قال السيد دي مونتالامبير [سياسي وكاتب]، متبنياً الفكرة الموجودة في الإعلان الشهير للسيد كارليير: ”علينا أن نحارب الاشتراكية.“ وبحسب تعريف الاشتراكية الذي قدمّه السيد تشارلز دوبن، فقد كان مونتالامبير يعني: ”علينا أن نحارب النهب.“

ولكن أي نهبٍ كان يقصد؟ إذ أن هناك نوعين من النهب: شرعي ولاشرعي.

لا أعتقد أن النهب اللاشرعي، مثل السرقة أو الاحتيال –الذي يعرفه الجهاز الجنائي ويتوقعه ويعاقب عليه– لا اعتقد ان هذا النهب يمكن أن يسمى اشتراكية. انه ليس ذلك النوع من النهب الذي يهدد بنى المجتمع على نحو منظم. على كل حال، فالحرب ضد هذا النوع من النهب لم تنتظر أمراً من هؤلاء الرجال. فقبل ثورة شباط 1848 بوقت طويل –بل حتى قبل ظهور الاشتراكية نفسها بوقت طويل– قامت فرنسا بتوفير الشرطة والقضاة، وشرطة الدرك والسجون والمشانق لغرض محاربة النهب اللاشرعي، أعد القانون نفسه هذه الحرب، ولي رغبة بهذا الخصوص ورأي وهو القول أن القانون يجب أن يحافظ على هذا الموقف تجاه النهب دائماً.

القانون يدافع عن النهب

ولكنه لا يفعل ذلك دائماً. في بعض الأحيان، يدافع القانون عن النهب ويساهم فيه. لذا يأمن المستفيدون من الخزي والخطر والريبة التي تنطوي عليها أفعالهم في غير تلك الظروف (أي في الظروف الاعتيادية). وفي أحيان اخرى، يضع القانون كل جهاز القضاة والشرطة والسجون وشرطة الدرك في خدمة اللصوص الناهبين، ويهدد الضحية –عندما يدافع عن نفسه- كما لو كان مجرماً. وباختصار، هناك نهب شرعي، وهو الذي عناه السيد دي مونتالامبير في حديثه، دون شك.

وقد لا يكون هذا النهب الشرعي سوى لطخة منعزلة في المقاييس التشريعية للناس. إن كان كذلك، فمن الأفضل مسحها والتخلص منها بأقل قدر ممكن من الخطب والاستنكارات –على الرغم من اضطراب المصالح الممنوحة.

كيف نُعرّف النهب الشرعي

ولكن كيف يمكن تحديد هوية هذا النهب الشرعي؟ ببساطة شديدة. أنظر فيما إذا كان القانون يأخذ من بعض الأشخاص ما يملكون ويعطيه إلى أشخاص آخرين لا تعود ملكيته لهم. أنظر فيما إذا كان القانون ينفع مواطناً معيناً على حساب الآخر من خلال عمل يعجز المواطن نفسه عن فعله دون ارتكاب جريمة. ثم إلغِ هذا القانون بلا تأخير، إذ انه ليس شراً بذاته فحسب، ولكنه مصدرٌ خصبٌ لشرورٍ أخرى فهو يدعو إلى الانتقام والثأر. إذا لم يُلغَ مثل هذا القانون على الفور –وربما يكون حالة منفصلة– فإنه سينتشر، ويتضاعف ويتطور ليصبح نظاماً.

إلا أن الشخص المستفيد من هذا القانون سيشتكي بمرارة، مدافعاً عن حقوقه المكتسبة وسوف يزعم أن الدولة ملزمة بحماية وتشجيع صناعته هو بالذات، وأن هذا الأجراء يغني الدولة لأن الصناعة المحمية ستكون قادرة على إنفاق الكثير وعلى دفع أجور أعلى إلى أبناء الطبقة العاملة الفقيرة.

لا تصغوا إلى هذه السفسطة من ذوي المصالح الممنوحة. فقبول هذه الجدالات والمناقشات سيبني النهب الشرعي ويجعل منه نظاماً كاملاً. وفي الواقع إن هذا الأمر قد حدث سابقاً. وما التضليل الذي نعيشه اليوم سوى محاولة لإغناء كل فرد على حساب كل فرد آخر؛ لجعل النهب شاملاً بذريعة تنظيمه.

للنهب الشرعي أسماء عديدة

الآن، يمكن ارتكاب النهب الشرعي بطرقٍ لا حصر لها. لذا لدينا طرق لا حصر لها في تنظيمه: كالتعريفات الجمركية، والحماية، والاعانات المالية، والتشجيعات، والضرائب التصاعدية، والمدارس العامة، والوظائف المضمونة، والأرباح المضمونة، وأجور الحد الأدنى، وحق الإغاثة، وحق أدوات العمل، والائتمان السهل، الخ…الخ. جميع هذه الخطط مجتمعة –مع هدفها العام للنهب الشرعي– تكوّن الاشتراكية.

الآن، طالما كانت الاشتراكية في ظل هذا التعريف كياناً من تعاليم عقائدية، أي هجوم يمكن أن يشن ضدها غير حربٍ من تعاليم عقائدية أخرى؟ إذا ما وجدتَ ان هذا المذهب الاشتراكي مزيفاً وشريراً وغير معقول، اذن فادحضه وفنّده. وفوق كل شيء، إذا ما أردت أن تكون قوياً، فابدأ باقتلاع أي جزيئةٍ أو أداة اشتراكية قد تكون زحفت في تشريعك. وليست هذه بالمهمة اليسيرة.

الاشتراكية نهب شرعي

كان السيد دي مونتالابير قد اتُّـهِمَ بالرغبة في محاربة الاشتراكية باستخدام القوة الغاشمة. ويجب أن يُبّرأ من هذا الاتهام، لأنه قد قال بصراحة: ”الحرب التي علينا ان نخوضها ضد الاشتراكية يجب أن تكون منسجمةً مع القانون والشرف والعدالة.“

ولكن لِمَ لم يرَ السيد دي مونتالابير أنه قد وضع نفسه في دائرة عدوانية؟ فهل سيُستخدم القانون لمناهضة الاشتراكية؟ ولكن الاشتراكية نفسها تستند على القانون. يرغب الاشتراكيون في ممارسة النهب الشرعي، وليس النهب اللاشرعي. فالاشتراكيون، كسائر الاحتكاريين الآخرين، يرغبون في جعل القانون سلاحهم الخاص. وعندما يصبح القانون إلى جانب الاشتراكية، فكيف يمكن استخدامه ضدها؟ عندما يسوّغ القانون النهب ويشجع عليه فإنه (أي النهب) سوف لن يخشى محاكمك وشرطتك أو سجونك. بل إنه ربما ينادي عليهم لغرض المساعدة.

ولاجل منع هذا، هل عليك أن تستثني الاشتراكية من الدخول في صناعة القوانين؟ هل ستمنع الاشتراكيين من الدخول في مبنى المجلس التشريعي؟ سوف لن تنجح في ذلك، كما أتوقع، طالما استمر النهب الشرعي في كونه العمل الرئيس للمشرّعين (أعضاء هيئة التشريع). ومن غير المنطقي –بل من المضحك– أن نفترض ما هو غير ذلك.

الاختيار أمامنا

لابد من حل قضية النهب الشرعي هذه، مرة واحدة والى الأبد، وليس هناك سوى طرقٍ ثلاثةٍ لحلها:

1. القلة ينهبون الكثرة.

2. الجميع ينهبون الجميع.

3. لا أحد ينهب أي أحد.

وعلينا أن نختار ما بين النهب المحدود، النهب الشامل واللا نهب. ويستطيع القانون أن يتبع واحداً من هذه الاختيارات الثلاثة فقط.

النهب الشرعي المحدود: وينتشر هذا النظام عندما يحدَّد حق التصويت أو الانتخاب، ويلجأُ الفرد إلى هذا النظام لكي يمنع غزو الاشتراكية.

النهب الشرعي الشامل: إننا مهددون بهذا النظام طالما صار حق الانتخاب شاملاً. فقد قررت الأغلبية ذات حق التصويت الجديد أن تشكِّل القانون وفق نفس مبدأ النهب الشرعي الذي كان مستخدماً من قبل أسلافهم حينما كان التصويت محدوداً.

اللا نهب الشرعي: وهذا مبدأ العدالة، والسلام، والنظام، والاستقرار، والانسجام والمنطق. وحتى يوم مماتي، سأظل أنادي بهذا المبدأ وبكل قوة رئتيّ؟ ( التي لم تزل ضعيفة للأسف)*.

* ملاحظة المترجم عن الفرنسية: عندما كتب هذا الكتاب، كان باستيا يعرف أنه يحتضر بسبب السل الرئوي، وفي غضون عام توفي.

الوظيفة الحقيقية للقانون

بكل إخلاص أتساءل، أهناك شيء مطلوب من القانون اكثر من اللانهب؟ وهل يجدر استخدام القانون –الذي يتطلب استخدام القوة بشكل لامناص منه– أي بشكل عقلاني لشيء سوى حماية حقوق الجميع؟ أتحدّى أي شخص كان أن يمد القانون ويوسعه إلى ما وراء هذه الغاية دون تحريفه او خرقه، وبالتالي تحويل القوة ضد الحق. وهذا هو الانحراف الاجتماعي الأفدح والأخطر والأكثر لا منطقيةً مما يخطر في البال. ولابد من الاعتراف بأن الحل الحقيقي –الذي جرى البحث عنه طويلاً في مجال العلاقات الاجتماعية– متوفر في هذه الكلمات البسيطة : القانون هو العدالة المنظمة.

الآن لابد من قول هذا: عندما تنتظم العدالة بواسطة القانون –يعني بالقوة– فإن ذلك يستثني فكرة استخدام القانون (القوة) لتنظيم أي فعالية إنسانية مهما كانت، سواء أكانت جُهداً، أم عملاً خيرياً، أم زراعةً، أم تجارة، أم صناعةً، أم تربيةً، أم فناً، ام ديناً. إن تنظيم أي من هذه المجالات بواسطة القانون، سيؤدي بشكل حتمي إلى تدمير المنظمة الأساسية –ألا وهي العدالة. لأنه بكل حق، كيف يمكننا أن نتصور القوة وهي تستخدم ضد حرية المواطنين من دون أن تستخدم ضد العدالة، وبذلك تستخدم ضد غايتها الحقيقية المناسبة؟

طُعم الاشتراكية المغري

هنا أواجه المغالطة أو الفكرة الخاطئة الأكثر رواجاً في زماننا. إذ أن وجوب عدالة القانون لا يعدُّ أمراً كافياً بل يجب على القانون ان يكون إنسانياً. كما لا يكفي أن يضمن القانون لكل مواطن حق الاستخدام الحر وغير المؤذي لقدراته لأجل تطوير الذات جسدياً وذهنياً وأخلاقياً. على خلاف ذلك، يُطلَب من القانون ان يوسّع الازدهار والتعليم والأخلاق بصورة مباشرة في عموم الأمة.

هذا هو الشَرَك أو الطُعم المغري للاشتراكية. وأكرر ثانية: هذان الاستخدامان للقانون يناقض أحدهما الآخر بشكل مباشر. علينا ان نختار بينهما. لا يستطيع المواطن أن يكون حراً ومقيداً في الوقت نفسه.

الاخوّة المفروضة تدمر الحرية

كتب لي السيد دي لامارتين مرةً ما يلي: ”ان معتقدك هو نصف من برنامجي. لقد وقفت عند الحرية أما أنا فاستمر حتى الاخوّة.“ أجبته: ”إن نصف برنامج الثاني سيدمر الأول.“

في الحقيقة من المستحيل بالنسبة لي ان أفصل كلمة (أخوّة) عن كلمة ”طوعي“، لا أستطيع أن أفهم يوماً كيف يمكن فرض الاخوّة بصورة شرعية دون التسبب في تدمير الحرية بشكل شرعي، وذلك يجعل العدالة تداس تحت الأقدام، وبصورة شرعية.

للنهب الشرعي جذران: أولهما، كما أسلفت، هو الجشع البشري، والثاني هو الأعمال الإنسانية (الخيرية) الزائفة. عند هذه النقطة أعتقد أن عليّ أن أوضح ما أعني بالضبط بكلمة ”النهب.“

النهب ينتهك الملكية

أنا لا أستخدم الكلمة، مثلما يفعل الكثيرون في أي معنى غامض أو ملتبسٍ، أو تقريبي أو مجازي بل أستخدمها بتقلبها العلمي بوصفها كلمة تعبر عن الفكرة المضادة للملكية [أجور الأرض، والنقود، أو أي شيء آخر]. عندما تنتقل نسبة من الثروة من الشخص الذي يملكها إلى أي شخص لا يملكها –دون موافقة الأول أو دون تعويض، سواء بالقوة ام بالاحتيال– عندئذ أقول أن الملكية قد انتُهِكتْ. وأن فعل النهب قد أُرتكب.

أقول أن هذا الفعل بالضبط هو ما يُفتَرَضُ بالقانون أن يفهمه دائماً وأبداً وفي كل مكان. وعندما يقوم القانون نفسه بارتكاب هذا الفعل الذي يفترض به أن يكافحه، أقول أن النهب مازال يرتكب، وأضيف أنه من وجهة نظر المجتمع والرفاهية، فإن هذا العدوان ضد الحقوق لهو شيء أسوأ. وفي هذه الحالة من النهب الشرعي على كل حال، لا يكون الشخص الذي يستلم الفوائد مسؤولاً عن فعل النهب. فمسؤولية هذا النهب الشرعي تلقى على عاتق القانون والمُشرّع، والمجتمع نفسه، وهناك يكمن الخطر السياسي.

ومن المؤسف أيضاً ان كلمة (نهب) مؤذية وكريهة. حاولت عبثاً أن أجد كلمة غير مؤذية، إلا أنني لم أرغب في وقت من الأوقات –ولا أرغب الآن– في إضافة كلمة مستفزة مغضبة لمفردات الذين يخالفوننا. لذا سواء صدقني الآخرون أم لا، أعلن أنني لا اقصد مهاجمة نوايا أو أخلاق أي شخصٍ كان. بل أنني أهاجم فكرة أنا واثق من زيفها، ونظاماً يبدو لي غير عادلٍ وظلماً خارجاً عن نوايانا الشخصية يستفيد منه جميعنا دون رغبة منه في ذلك، كما يعاني جميعنا منه دون معرفة سبب تلك المعاناة.

ثلاثة أنظمة للنهب

لا نشكك هنا في إخلاص أو صدق هؤلاء الذين يناصرون الحمائية والاشتراكية أو الشيوعية. فأي كاتب يحاول القيام بذلك لابد أن يكون متأثراً إما بروح سياسية أو مخاوف سياسية معينة. ولابد من الإشارة الى أن الحمائية والاشتراكية والشيوعية هي في الأساس شجيرة من ثلاث مراحل مختلفة من نموها. وكل ما يمكن قوله أن النهب الشرعي يظهر أكثر وضوحاً في الشيوعية لأنه نهبٌ متكاملٌ، وكذلك في الحمائية لأنه نهبٌ محددٌ بجماعاتٍ خاصةٍ وصناعات خاصة أيضاً**. لذا نستنتج من ذلك أنه من بين الأنظمة الثلاثة، الاشتراكيةُ هي الأكثر غموضاً، والأكثر ابتعاداً عن الحسم وبالتالي فهي المرحلة الأصدق من مراحل التطور.

وسواء كانت صادقة أم لا، فإننا لا نشكك بنوايا الأشخاص. في الواقع، لقد أسلفت أن النهب الشرعي يعتمد بشكل جزئي على الإحسان أو حب الخير للانسانية، حتى وإن كان هذا الإحسان زائفاً.

ومع هذا التفسير دعونا نتفحص قيمة هذا التطلع الشعبي الذي يدعي إنجاز الرفاهية بواسطة النهب العام وأصله ونزعته.

** اذا كان الامتياز الخاص للحماية الحكومية ضد المنافسة –الاحتكار- قد مُنِحَ الى مجموعة واحدة فقط في فرنسا كعمال الحديد مثلاً فإن هذا الفعل سيكون نهباً شرعياً واضحاً غير أنه لن يستمر طويلاً. لهذا السبب نرى جميع الحرف المحمية وهي تتحول إلى قضايا عامة. حتى أنهم سينظمون أنفسهم باسلوب يبدون فيه وكأنهم يمثلون كل الاشخاص الذين يكدحون. انهم يشعرون غريزياً لأن النهب الشرعي قد حُجبَ أو اختفى من خلال تعميمه.

القانون قوة

بما أن القانون ينظِّم العدالة، يتسائل الاشتراكيون لمَ لا يُنَظِّم القانون العمل والتربية والدين أيضاً.

لم لا يستخدم القانون لهذه الأغراض؟ لأنه لا يستطيع ان ينظِّم العمل والتربية والدين دون تحطيم العدالة، علينا ان نتذكر أن القانون قوة، وبالتالي فإن الوظائف المناسبة للقانون لا يمكن أن تمتد بشكل قانوني الى ما وراء الوظائف المناسبة للقوة.

عندما يقوم القانون والقوة بحفظ الشخص ضمن حدود العدالة، فإنهما لا يفرضان شيئاً سوى السلبية. فهما يجبرانه على الامتناع عن إيذاء الآخرين فقط. فهما لا يتجاوزان أو يخرقان شخصيته، ولاحريته، ولا ملكيته. بل إنهما يضمان كل هذه الاشياء. وهما دفاعيان فهما يدافعان عن حقوق الجميع وبالتساوي.

القانون مفهوم سلبي

إن الطبيعة غير المؤذية للرسالة التي يؤديها القانون والدفاع القانوني هي شيء بديهي، فالمنفعة أو الفائدة واضحة، والشرعية غير قابلة للنقاش ومن غير الممكن التشكيك بها.

كما لاحظ أحد اصدقائي، إن المفهوم السلبي للقانون هو على درجة من الصحة، بحيث أن العبارة القائلة أن غاية القانون هو التسبب في أن تحكم العدالة ليست عبارةً صائبةً تماماً. كما ينبغي أن نذكر أن غاية القانون هو منع الظلم من أن يحكم ويسود. والحق أن الظلم بدلاً من العدل، هو الذي يمتلك وجوداً خاصاً به. وتتحقق العدالة فقط عندما يغيب الظلم.

ولكن عندما يَفرِضُ القانون، من خلال أداته الضرورية، أي القوة، على الأفراد، يفرض ضوابط للعمل، أو طريقةً للتدريس أو موضوعاً للدرس، أو معتقداً إيماناً دينياً -حينها لن يبقى القانون سلبياً؛ فهو يُمارَسُ بإيجابية على الناس. فهو يستبدل إرادة المُشرّع بإرادات الناس أنفسهم، ومبادرة المُشرّع بمبادراتهم. عندما يحصل هذا لن يحتاج الناس الى أن يناقشوا، أو يقارنوا أو يتمعنوا، أو يخططوا للمستقبل، فسيقوم القانون بذلك بدلاً عنهم. وسيكون الذكاء دعامة عديمة الفائدة للناس، وسيكفون عن كونهم رجالاً، سيفقدون شخصياتهم، وحريتاهم وملكياتهم.

حاول أن تتخيل نوعاً من العمل يفرض بالقوة ولا يكون خرقاً للحرية؛ أو تحولاً للثروة يُفرضُ بالقوة ولا يكون خرقاً للملكية. إذا لم تستطع مزاوجة هذه التناقضات والتوفيق بينهما، إذن يجب أن تستنتج أن القانون لا يستطيع أن ينظم العمل والصناعة دون أن ينظّم الظلم.

الطريقة السياسية

عندما ينظر السياسي الى المجتمع اثناء خلوته في مكتبه، فإنه سوف يُصدَم بمشهد عدم المساواة الذي يراه. ويأسى للحرمان الذي هو نصيب العديد من اخواننا، الحرمان الذي يظهر أكثر حزناً عندما يقف على نقيض مع الترف والثروة.

ربما يسأل السياسي نفسه عّما إذا كانت هذه الحال من الأوضاع قد حدثت بواسطة الفتوحات القديمة وأعمال السلب، وبواسطة النهب الشرعي الأكثر حداثة. ربما يتأمل الافتراض التالي: بما أن جميع الناس يبحثون عن الخير والرفاهية والكمال، ألا يمكن لشرط العدالة أن يكون كافياً لدفع الجهود الجبارة باتجاه التقدم، وخلق أعظم مساواة ممكنة تتناغم والمسؤولية الفردية؟ لن يكون ذلك منسجماً مع مفهوم المسؤولية الفردية التي أرادها الله من أجل أن يصبح بمقدور البشرية الاختيار بين الفضيلة والرذيلة، وما ينجم عنها من عقاب وثواب؟

ولكن السياسي لن يعطي متسعاً من فكره لهذا. فعقله منشغل بالمنظمات والاتحادات والترتيبات والتدابير-الشرعية أو التي تبدو شرعية. فهو يحاول أن يعالج الشر من خلال زيادة وإدامة الشيء الحقيقي الذي تسبب بالشر لأول مرة ألا وهو: النهب الشرعي. لقد رأينا ان العدالة مفهوم سلبي. أهناك ولو فعلاً واحداً من الأفعال الشرعية الإيجابية لا يحتوي على مبدأ النهب؟

القانون والإحسان

تقولون: ”إن هنالك أشخاص ليس لديهم نقود وتلتفتون الى القانون. ولكن القانون ليس ثدياً يملأ نفسه بالحليب. والأوعية اللبنية للقانون مزودة بالحليب من مصدر خارج المجتمع. ما من شيء يدخل الى الخزانة العامة لفائدة مواطنٍ معينٍ أو طبقةٍ معينةٍ ما لم يتم إجبار المواطنين الآخرين أو الطبقات الأخرى على إرساله. إذا ما سَحَبَ كل مواطن الرصيد الذي كان قد وضعه في الخزانة، فمن الحقيقي أن القانون حينها لم يسرق أحداً. ولكن هذا الإجراء لا يفعل شيئاً للأشخاص الذين ليس لديهم مالٌ. إنه لا يوسِّع تكافؤ الدخل. يمكن للقانون ان يصبح أداة للمساواة فقط عندما يأخذ من بعض الأشخاص ويعطي لأشخاص آخرين. عندما يقوم القانون بذلك، سيكون أداة للنهب.

إحفظ هذا في ذهنك، وتفحَّص تعريفة الحماية، والإعانات المالية، والأرباح المضمونة، والأعمال المضمونة، ومخططات الإغاثة والرفاهية، والتعليم العام، والضرائب التصاعدية، والسلف الحرة، والأعمال العامة. ستجد أنها تعتمد النهب الشرعي، الظلم المنظم دائماً.

القانون والتعليم

تقولون: ”إن هناك أشخاصاً يفتقرون الى التعليم“ وتلتفتون الى القانون. ولكن القانون، بذاته ليس شعلة من المعرفة والتعلم أنوارها تشرق الى الخارج. إذ يمتد القانون على مجتمعٍ فيه أناس ذوو معرفةٍ وعلمٍ، وآخرون ليسوا كذلك، فيه بعض المواطنين بحاجة الى أن يتعلموا، وآخرون يستطيعون التدريس. وفي قضية التربية هذه، ليس لدى القانون سوى اختيارين: إما أن يسمح القانون بصفقة التدريس والتعلم هذه أن تعمل بكل حرية وبدون استخدام القوة، أو أن يجبر الرغبات البشرية في هذه القضية من خلال الأخذ من البعض لدفع أجور المعلمين الذين تُعيّنهم الحكومة لتدريس الآخرين بدون أجر، ولكن في الحالة الثانية يقوم القانون بارتكاب النهب الشرعي من خلال انتهاك الحرية والملكية.

القانون والأخلاق

تقولون: ”إن هنالك بعض الأشخاص الذين يفتقرون الى الأخلاق أو الدين“، وتلتفتون الى القانون. ولكن القانون قوة. وهل أنا بحاجة الى ان أشير الى مدى عدم جدوى الجهد الذي يُبذلُ في استخدام القانون بقضايا الدين والأخلاق؟

يبدو أن الاشتراكيين، مهما كانوا راضين عن ذاتهم، لا يستطيعون تجنب رؤية هذا النهب الشرعي الهائل الناجم عن مثل هذه الأنظمة والجهود، ولكن ما الذي يفعله الاشتراكيون؟ إنهم يخبئون هذا النهب الشرعي بذكاء ويخفون حقيقته عن الآخرين –بل حتى عن أنفسهم– تحت أسماء مغرية كالأخوة، والوحدة، والتنظيم، والترابط. لأننا لا نطلب من القانون إلا القليل –العدالة فقط– يفترضُ الاشتراكيون بأننا نرفض الأخوة والوحدة، والتنظيم والترابط. ويسمينا الاشتراكيون باسم فرداني أو فردي.

ولكننا نؤكد للاشتراكيين أننا نستهجن التنظيم القسري فقط، وليس التنظيم الطبيعي. ونستهجن أشكال الارتباط المفروضة علينا، وليس الارتباط الطبيعي. ونستهجن الأخوة المفروضة، وليس الأخوة الحقيقية، ونستهجن الوحدة المصطنعة الشكلية التي لا تفعل شيئاً سوى حرمان الأشخاص من مسؤوليتهم الفردية. ولا نستهجن الوحدة الطبيعية للإنسانية في ظل العناية الإلهية.

 

القــانـون – الجزء الثاني

فريدريك باستيا

 

كان فريدريك باستيا (1801-1850) اقتصادياً ورجل دولةٍ وكاتباً فرنسياً. وكتب أغلب مؤلفاته في السنوات التي سبقت والتي تلت ثورة شباط عام 1848. وكانت تلك هي الفترة التي انتقلت فيها فرنسا إلى الاشتراكية التامة. وكنائبٍ للمجلس التشريعي، كان باستيا يدرس ويفسر كل مغالطةٍ أو عيب اشتراكي بمجرد ظهوره. وشرح كيف أن الاشتراكية لابد من أن تنحدر إلى شيوعية. إلا أن معظم أبناء وطنه أهملوا منطقه هذا.

ترجمه عن الفرنسية : دين راسل

المـــقـدمة بـقـلـــــم: والتر أي. وليامز

الـتـمـهـــيـد بـقـلــــم: شيلدون رتشمان

 

ارتباك في المصطلحات

الاشتراكية، شأنها شأن الأفكار القديمة التي انبثقت عنها، تشوّش وتربك التمييز بين الحكومة والمجتمع. ونتيجة لهذا، في كل مرة نعترضُ على شيء فعلته الحكومة، يستنتج الاشتراكيون أننا نعترض على حدوث الشيء برمته أساساً. عندما لا نؤيد تعليم الدولة، يقول الاشتراكيون أننا ضد التعليم بشتى مظاهره. ونعترض على دين الدولة فيقول الاشتراكيون أننا لا نريد الدين نهائياً. وعندما نعترض على المساواة التي تفرضها الدولة، يقولون عندئذ أننا ضد المساواة وهلم جراً. يبدو وأن الاشتراكيين سيتهموننا بأننا لا نريد الناس أن يأكلوا لأننا لا نريد الدولة أن تزرع الحنطة.

تأثير الكُتّاب الاشتراكيين

كيف خطر ببال السياسيين أن يصدّقوا بالفكرة المشؤومة القائلة بأن القانون يمكن أن ينتج ما لا يحتوي- الثروة، العلم، والدين، التي تشكل الازدهار في الحالة الايجابية؟ أيرجع ذلك إلى تأثير كُتّابنا المحدثين على الشؤون العامة؟

يبني كُتّاب عصرنا الحالي – لا سيما أصحاب المدرسة الفكرية الاشتراكية – نظريتهم على افتراضٍ عامٍ واحد ألا وهو: تقسيم الجنس البشري إلى قسمين: الناس عموماً – ماعدا الكاتب نفسه – يشكلون المجموعة الأولى، والكاتب - وحده تماماً- يشكل المجموعة الثانية والأهم. لاشك أن هذه هي الفكرة الأغرب والأعجب والأكثر غروراً بين جميع الأفكار التي وردت إلى العقل البشري!

 

والواقع أن هؤلاء الكُتّاب في الشؤون العامة قد بدؤوا بافتراض أن الناس لا يملكون داخل أنفسهم أي وسيلةٍ للتمييز، أو أي حافزٍ للقيام بعمل. يفترض الكُتّاب أن الناس مواد خاملة – أدوات سلبية، ذرات لا حراك بها، وهم في أفضل حالاتهم، نوع من المزروعات التي لا تكترث حتى بحياتها. ويفترضون أن الناس قابلون للتشكّل والصياغة بإرادة شخص آخر ويده إلى ما لا حصر له من الأشكال المتناسقة والفنية الكاملة تقريباً.

زيادة على ذلك، لا يتردد أي من هؤلاء الكُتّاب في الشؤون الحكومية عن تخيل نفسه هو تحت عنوان المنظّم، أو المكتشف، أو المُشرّع، أو المؤسس إلى غير ذلك من الألقاب، يتخيل أنه هو هذه الإرادة، وأنه هو هذه القوة الكونية المحفزة، هذه القوة الخلاقة التي ترمي رسالتها السامية الرفيعة إلى صياغة هذه المواد المبعثرة – الأشخاص – وتحويلها إلى مجتمع.

ينظر هؤلاء الكُتّاب الاشتراكيون إلى الناس كما ينظر البستانيُّ إلى أشجاره. ومثلما ينسق البستاني الأشجار ويرتبها بشكل أهرام، أو مظلات أو مكعبات، أو مزهريات، أو مراوح أو أي أشكال أخرى، كذلك يقوم الكاتب الاشتراكي بشكل غريب، بتشكيل البشر في جماعات ومسلسلات، ومراكز، ومراكز فرعية، أو خلايا، وفرق عمل، وما إلى ذلك من تقسيمات. ومثلما يحتاج البستاني إلى الفؤوس ومقصات التشذيب والمنشار وغيرها من الأدوات لينسق أشكال الأشجار، كذلك يحتاج الكاتب الاشتراكي إلى القوة التي لا يجدها إلا في القانون لكي ينسق البشر. ولهذا الغرض يخترع قوانين التعريفة الجمركية، وقوانين الضرائب، وقوانين الإغاثة، وقوانين التعليم.

يريد الاشتراكيون ان يلعبوا دور الله

ينظر الاشتراكيون إلى الناس على أنهم مادة خام تُشّكلُ وتوضع في اتحادات اجتماعية. وهذا صحيح جداً بحيث أنه لو ساور الاشتراكيون أي شكٍ حول نجاح هذه الاتحادات، ولو عن طريق المصادفة، فإنهم سيطلبون عزل نسبة من البشر جانباً لكي يستخدموها لإجراء التجارب. إن الفكرة الشائعة القائلة بتجريب جميع الأنظمة معروفة جداً. حتى عرف عن أحد القادة الاشتراكيين مطلبه الجدي من التجمع التأسيسي أن يعطيه ضاحيةً صغيرة بكل سكانها لكي يجري تجاربه عليها.

وبالأسلوب نفسه، يقوم المخترع بصناعة أنموذج قبل أن يصنع الماكنة بحجمها الكامل؛ وكذلك الكيميائي يستهلك بعضاً من المواد الكيميائية في التجارب، ويضيّع المزارع بعض البذور والأرض لأجل تجربة الفكرة.

ولكن يا لجسامة الفرق بين البستاني وأشجاره، وبين المخترع وماكنته، وبين الكيميائي وعناصره، وبين المزارع وبذوره، ويعتقد الاشتراكي بكل صدق أن الفرق ذاته موجودٌ بينه وبين الإنسانية.

لا عجب أن كُتّاب القرن التاسع عشر ينظرون إلى المجتمع على أنه خلق مصطنع لعبقرية المُشرّع. واستحوذت هذه الفكرة – وهي ثمرة التعليم الكلاسيكي– على أذهان جميع مفكري وكُتّاب بلادنا المشهورين وبالنسبة لهؤلاء المفكرين والكُتّاب، تبدو العلاقة بين الأشخاص والمُشرّع كالعلاقة بين الطين وصانع الفخار.

إضافة إلى ذلك، إن الاشتراكيين حتى عندما يقبلون بإدراك مبدأ العمل في أعماق قلب الإنسان – مبدأ التمييز في ذهن الإنسان– فإنهم يعتبرون هاتين الهبتين الإلهيتين هبتين مهلكتين ويعتقدون أن الأشخاص، تحت تأثير دافع كل منهما، سيميلون إلى تدمير أنفسهم على نحو مهلك. ويفترض هؤلاء المفكرين والكُتّاب أنه إذا ما تَرَك المُشرّعون الأشخاص أحراراً في اتباع أهوائهم الخاصة، فإنهم سيصلون إلى الإلحاد، بدلاً من الدين، والجهل بدلاً من المعرفة، والفقر بدلاً من الإنتاج والتبادل.

الإشتراكيون يحتقرون البشر

بالنسبة لهؤلاء الكُتّاب، إن من حسن الطالع حقاً أن السماء وهبت بعض الرجال –الحكام والمُشرّعين – الميول والنزعات المتناقضة تماماً ليس لأجلهم فقط، بل لأجل بقية العالم أيضاً! فبينما ينزعُ البشر صوب الشر، يميل المُشرّعون إلى الخير؛ وبينما يتقدم البشر صوب الظلام، يتطلع المُشرّعون إلى التنوير؛ وبينما ينسحب البشر تجاه الرذيلة، ينجذب المُشرّعون إلى الفضيلة. وطالما قرروا أن هذه هي حقيقة الأمور، فقد طلبوا استخدام القوة من أجل استبدال ميولهم ونزعاتهم بميول ونزعات البشر.

افتح أي كتاب في الفلسفةِ، أو السياسة، أو التاريخ، بشكل عشوائي، وربما سترى كيف أن هذه الفكرة متجذرة في بلادنا – طفلةُ الدراسات الكلاسيكية، وأم الاشتراكية. في كل هذه الكتب ربما تجد هذه الفكرة القائلة بأن البشر مادةً جامدةً لا حراك فيها، تستلم الحياة والتنظيم والأخلاق، والازدهار من قوة الدولة. والأسوأ من ذلك، أن يُذكر أن البشرية تميل إلى الانحطاط، وأنها توقفت عن هذا المسار إلى الأسفل على يد المُشرّع السحرية فقط. يقول الفكر الكلاسيكي التقليدي في كل مكان أن وراء المجتمع السلبي، هنالك قوةً خافيةً تسمى القانون أو المُشرّع (ربما تطلق عليها مصطلحات أخرى تحدّد وجود شخصٍ أو أشخاصٍ ذوي تأثير وسلطة غير مشكوك فيهما) وهي تقوم [أي القوة] بتحريك البشر والسيطرة عليهم وتطويرهم ومنحهم الفائدة.

دفاعٌ عن السخرة (العمل الإجباري)

دعونا نتمعن في اقتباس من بوسو [معلم دوفين الخاص في بلاط لويس الرابع عشر]:

”كانت أحدى الأشياء التي طُبِعتْ (من ِقبَل مَنْ؟) على أذهان المصريين هي الوطنية… ولم يكن مسموحاً لأحد أن يكون عديم الفائدة للدولة. لقد حدد القانون لكل فرد من الأفراد عمله الذي يتوارث من الأب إلى الابن. لم يكن مسموحاً لأحد أن يمتلك حرفتين أو مهنتين. لم يكن بمقدور الشخص أن ينتقل من عملٍ إلى آخر… ولكن كانت هناك مهمة واحدة كان الجميع مجبراً على طاعتها وهي: دراسة القوانين والحكمة. لم يكن الجهل بالدين أو بالضوابط السياسية أمراً مسموحاً به ولم يكن مبرراً تحت أي ظرف كان. إضافة إلى ذلك، كانت كل مهنة محددةُ (على يدِ مَن؟) لمنطقة معينة… ومن بين القوانين الجديدة، وأحد أفضلها، هو أن كل فرد كان يُدرّب (على يد مَن؟) على طاعة القوانين. ونتيجة لهذا، امتلأت مصر بالاختراعات الرائعة، ولم يكن أي شيء من شأنه أن يجعل الحياة أسهل وأهدأ يُهملُ أو يُستعبد.“

لذا بحسب بوسيو، فإن الأشخاص لا يستنبطون شيئاً من أنفسهم. فالوطنية، والرفاهية، والاختراعات، والزراعة، والعلم - تعطى جميع هذه الأشياء إلى الناس من خلال عملية القانون، الحَكّام. كل ما ينبغي على الناس فعله هو الانحناء للقيادة.

دفاع عن الحكمة الأبوية

حمل بوسيو الدولة بوصفها مصدر كل التقدم إلى أبعد من ذلك لحماية المصريين من اتهامهم بأنهم رفضوا الموسيقى والمصارعة. فقال:

”كيف يمكن ذلك؟ هذه الأشياء اخترعها تريسمجستوس [الذي كان يفترض أنه كان مستشاراً لإله المصريين أوزيريس]“

مرة أخرى بين الفرس، زعم بوسيو أن كل شيء كان يأتي من الأعلى:

”كانت إحدى أولى مسؤوليات الأمير هي التشجيع على الزراعة… مثلما هناك وظائف لتنظيم الجيوش، ومثلما هناك وظائف لإدارة عمل المزارع… كان الشعب الفارسي مُلهماً باحترامٍ غامرٍ للسلطة الملكية.“

ولكن الإغريق، برأي بوسيو؛ على الرغم من ذكائهم المتفوق، افتقروا إلى الإحساس بالمسؤولية الفردية؛ شأنهم شأن الكلاب والخيول، لم يكن بمقدورهم اختراع أبسط الألعاب:

”كان الإغريق الأذكياء والشجعان بطبيعتهم، قد تهذبوا على يد الملوك والمستوطنين الذين جاؤوا من مصر، فتعلم الإغريق من هؤلاء القادة المصريين التمارين الجسدية، وسباقات القدم وسباقات الخيل والعربات… ولكن أفضل شيء عَلّمهُ المصريون للإغريق كان في جعلهم طيعين قابلين للتعلم، فسمحوا لأنفسهم بان يصاغوا بيد القانون لما يخدم المصلحة العامة.“

فكرة البشرية السلبية

ليس من خلافٍ في أن هذه النظريات الكلاسيكية [والتي قُّّدمتْ من قبل المعلمين والكتاب والمُشرّعين والاقتصاديين والفلاسفة اللاحقين] اعتقدتْ أن كل شيء كان يأتي للمواطنين من مصدر خارجي، وهو مصدر يقع خارج أنفسهم. وكمثال آخر خُذ فينلون [الأسقف والمؤلف ومعلم الدوق بورغندي].

كان شاهداً على قوة وسلطة لويس الرابع عشر. وتسببت هذه الحقيقة، إضافة إلى حقيقة أخرى مفادها أن هذا الرجل نشأ وترعرع على الدراسات الكلاسيكية وحب التراث، تسببت في جعل فينلون يقبل الفكرة التي تقول بأن البشر لابد أن يكونوا سلبيين، وأن كوارث الناس ورفاهيتهم – ورذائلهم وفضائلهم – تنجم عن تأثيراتٍ خارجية تمارس عليهم من القانون والمُشرّعين. لذلك، وضع فينلون، في كتابه ”يوتوبيا سالنتيوم“، الرجال – بجميع مصالحهم وقدراتهم ورغباتهم وممتلكاتهم – وضعهم تحت التصرف المطلق للمُشّرع. ومهما كانت القضية، فإن الأشخاص لا يقرونها أو يحسمونها بأنفسهم، والأمير هو الذي يقوم بذلك عنهم. وقد صَوّر الأمير على أنه الروح في هذا الجمع الذي لا شكل له من الناس الذين يُكّونون الأمة. ويكمن الفكر والبصيرة وكل التطور، ومبدأ (التنظيم الكلي) جميعها في الأمير. لذلك تستند إليه كل المسؤولية.

والفصل العاشر من كتاب فينلون الموسوم ”تيلماج“ برمته يثبت صحة ما تقدم. أشير به إلى القارئ، وأقنع نفسي بمجرد الاقتباس العشوائي من هذا العمل الشهير وأنا في كل صورة أول من يبدي الولاء له والثناء عليه.

الاشتراكيون يهملون العقل والحقائق

بتلك السذاجة المدهشة التي تميز بها الكلاسيكيون تجاهل فينلون سلطة العقل والحقائق عندما نسب السعادة العامة التي تمتع بها المصريون ليس إلى حكمتهم بل نسبها إلى حكمة ملوكهم:

”لا نستطيع أن نلتفت بأنظارنا إلى أي من الضفتين دون أن نرى المدن الغنية المزدهرة والمقاطعات الريفية وقد وضعت بشكل في غاية الانسجام والقبول، والحقول التي لم تترك موسماً للأراحة، تغطى بالغلة الذهبية كل عام، والمراعي مليئة بالقطعان، والعمال يرزحون تحت ثقل الفواكه التي أسبغت بها الأرض على زارعيها، والرعاة الذين جعلوا الصدى يضج بنغماتهم الناعمة المنطلقة من مزاميرهم وناياتهم. قال مينتور***: ”سعيد هو الشعب الذي يحكمه ملك حكيم.“…“

 

لاحقاً، أرادني مينتور أن أشاهد القناعة والرضا والرخاء التي غطت أرجاء مصر، والتي يمكن فيها عدّ اثنين وعشرين ألف مدينة. كما أُعجَبَ أيضاً بالترتيبات الأمنية الجيدة في المدن، والعدالة التي وضعت لمصلحة الفقراء ضد الأغنياء، والتعليم السليم للأطفال في الطاعة، والعمل، والاعتدال، وحب الفنون والآداب، والدقة والضبط الذي تتم فيه جميع الطقوس الدينية، ونكران الذات، والاحترام الرفيع للشرف ولنزاهة الرجال، وخوف الآلهة التي يعلمها كل والد لأطفاله. لم يكف مينتور عن حبه لرخاء البلد ورفاهيته، فيقول ”سعيد هو البلد الذي يحكمه ملك حكيم بهذا الأسلوب.“

يريد الاشتراكيون إخضاع الناس لنسق واحد

إن قصيدة فينلون الرعوية عن جزيرة كريت أكثر فتنة وإغراء، فقد نسب إلى مينتور قوله:

”إن كل ما ترى في هذه الجزيرة الرائعة ناجم عن قوانين مينوس. فالتعليم الذي رسمه لهم جعل أجسادهم قوية ونشيطة. منذ البداية كان على الفرد أن يعوّد الأطفال على الاقتصاد والعمل على افتراض أن كل متع الحواس تضعف الجسد والعقل على حد سواء. لذا لا يجب أن يسمح لهم بالمرح والمتعة ما عدا متعة جعلهم لا يقهرون ولا يهزمون وذلك بالفضيلة واكتساب المجد… وهنا يقوم الفرد بمعاقبة ثلاث رذائل تُفلِتُ من العقاب لدى الشعوب الأخرى ألا وهي : الجحود، والنفاق، والجشع. وليس هناك حاجةٌ لمعاقبة الشخص على الخيلاء والإسراف، لذا إن هكذا صفات غير معروفة في كريت.. فليس هناك أثاث مكلف، لا ملابس فاخرة، لا ولائم لذيذة ولا قصور مطلية، إذ لم يسمح بها في كريت.“

وبهذا يهيأ مينتور تلميذه إلى أن يتقولب ويتعامل بيديه مع سكان إيثاكا لأجل أفضل الأهداف دون شك. ولأجل إقناع التلميذ بحكمة هذه الأفكار، يتلو على مسامعه مثال سالنتوم.

إن لمن هذا النوع من الفلاسفة تلقينا أفكارنا السياسية الأولى، لقد تعلمنا أن نتعامل مع البشر كما يعلم معلم الزارعة الفلاحين على كيفية تحضير التربة ورعايتها.

إسم شهير وفكرة شريرة

الآن استمعوا إلى مونتيسكيو متحدثاً في نفس الموضوع:

”للحفاظ على روح التجارة من الضروري أن تفضلها جميع القوانين. وعلى هذه القوانين، من خلال التقسيم المتناسب للثروات التي يجمعونها من التجارة، عليها أن توفر لكل مواطن فقير ظروفاً سهلة وكافية لتمكنه من العمل أسوة بالآخرين. وعلى هذه القوانين نفسها أن تضع كل مواطن غني في ظروف أدنى لتجبره على العمل لأجل البقاء أو لأجل الكسب.“

لذا على القوانين أن تتخلص من كافة الثروات!

على الرغم من أن المساواة هي روح الدولة في الديمقراطية، من الصعب جداً التأسيس والقول أن مثل هذه الدقة المتطرفة في هذا الشأن لن تكون محببة دائماً. ويكفي أن نؤسس هنا إحصاءاً لتعليل أو تحديد هذه الفروقات في الثروات ضمن حد معين. وبعد القيام بذلك، يبقى على القوانين المحددة أن تسوي حالة اللامساواة من خلال فرض أعباء على الأغنياء ومنح إعانة للفقراء.

وهنا مرة أخرى نجد فكرة مساواة الثروات بالقانون بالقوة.

في اليونان، هناك نوعان من الجمهوريات: إسبارطة وأثينا. كانت الأولى عسكرية، أما الأخرى فكانت تجارية. في الأولى، كانت هناك رغبة في أن يصبح المواطنون عاطلين أما في الأخيرة، فهناك تشجيع لحب العمل.

لاحظ العبقرية المدهشة لهؤلاء المُشرّعين: فمن خلال الحط من قدر جميع الأعراف الراسخة – بواسطة خلط المفاهيم الاعتيادية لكل الفضائل – عرفوا مسبقاً أن العالم سيحب حكمتهم.

أعطى لايكورجوس الاستقرار لمدينته اسبارطة بواسطة دمج اللصوصية الوضعية مع روح العدالة، بواسطة دمج القيود القصوى مع الحرية المتطرفة، وبواسطة دمج المعتقدات الشريرة الأثيمة للغاية مع الاعتدال الأعظم. كان يبدو وكأنه يحرم مدينته من كل مواردها، وفنونها وتجارتها، وأموالها أو دفاعاتها. في إسبارطة ذهب الطموح بدون أمل في الجزاء المادي. ولم تجد العاطفة الطبيعية أي متنفس لأن الرجل لم يكن ولداً لأحد، أو زوجاً لأحد، أو أباً لأحد. حتى العفة لم تعد لائقة. وبهذا الطريق، قاد لايكورجوس إسبارطة إلى العظمة والمجد.

لقد تكررت هذه الشجاعة التي تواجدت في مؤسسات اليونان في وسط أغلال وفساد عصرنا الحالي، إذ قام مشرِّع عرضي شريف بصياغة شعب يظهر فيه التكامل شيئاً طبيعياً كشجاعة الإسبارطيين.

السيد وليام بين، على سبيل المثال، هو لايكورجوس حقيقي. مع أن السيد بين جعل السلام هدفا له – بينما كان هدف الأول هو الحرب – فهما يشبهان بعضهما في أن هيبتهما الأخلاقية ومقامهما عند الأحرار سمح لهما بالتغلب على الأهواء والأحقاد، والتغلب على العواطف، ليقودا شعبيهما المحترمين في طرق جديدة.

ويقدم لنا شعب البارغواي مثالاً أخراً [للناس الذين تمت صياغتهم من قبل المُشرّعين، من أجل مصلحتهم].***

الآن، في الحقيقة إن الفرد إذا ما اعتبر المتعة المجردة للتسلط هي المتعة الأعظم في الحياة، فإنه يعتزم ارتكاب جريمة ضد المجتمع، لأنه سيكون مثالاً نبيلاً على الدوام أن يحكم الناس ويقادون بطريقة تجعلهم أسعد.

وعلى هؤلاء الذين يرغبون في إقامة مؤسسات مشابهة أن يقوموا بما يلي: أسسوا ملكية عامة للممتلكات مثل تلك التي في جمهورية أفلاطون، احترموا الآلهة وبجّلوها كما أمر أفلاطون، امنعوا الغرباء من الاختلاط بالشعب، من أجل الحفاظ على التقاليد، اجعلوا الدولة تدير التجارة بدلاً من المواطنين. على المُشرّعين أن يوفروا الآداب وليس وسائل الترف؛ وعليهم إشباع الحاجات بدلاً من الرغبات.

*** ملاحظة المترجم عن الفرنسية: ما كان يعرف آنذاك بالبارغواي كانت أوسع مساحة مما هي عليه اليوم. قام اليسوعيون باحتلالها واسكنوا الهنود في قرى، أنقذوهم عموماً من المزيد من الفظائع التي ارتكبها ممثلوهم الأوائل.

فكرة مرعبة

ربما يصرخ هؤلاء المعرَّضون إلى الافتتان السوقي: ”مونتيسكيو قال هذا! لذا فهو رائع! إنه شيء رفيع!“ بالنسبة لي، أنا امتلك شجاعة رأيي الخاص فأقول: ”أتجرؤون وتسموّن هذا جميلا؟“ إنه مرعب! إنه مقيت! إن هذه الاقتباسات العشوائية من كتابات مونتيسكيو تبيّن أنه يرى أن الأشخاص، والحريات والملكية – بل البشرية نفسها – لا شيء سوى مواد خام يمارس المُشرّعون حكمتهم عليها.

قائد الديمقراطيين

دعونا الآن نتفحص روسو فيما يتعلق بهذا الموضوع. إن هذا الكاتب في الشؤون العامة هو المرجع الأعلى للديمقراطيين. وعلى الرغم من أنه يؤسس البناء الاجتماعي، على إرادة الناس، إلا أنه، إلى حدٍ أكبر من أي شخص آخر، وافق تماماً على نظرية الجمود التام للبشرية في حضور المُشرّعين:

”إذا كان الأمير العظيم نادراً حقاً، إذن أليس المُشرّع العظيم شيئاً أكثر ندرة؟ لا يفعل الأمير شيئاً سوى أن يتبع النمط الذي خلقه المُشرّع. المُشرّع هو الميكانيكي الذي يخترع الماكنة، والأمير هو مجرد العامل الذي يقوم بتحريكها أو تشغيلها ليس إلا.

وما هو الدور الذي يلعبه الأشخاص في كل هذا؟ ليسوا سوى الماكنة التي جرى تدويرها أو تشغيلها. في الواقع ألم يُعتبروا مجرد المادة الخام التي صنعت منها الماكنة؟“

لذا فإن العلاقة الموجودة بين المُشرّع والأمير هي نفس العلاقة الموجودة بين الخبير الزراعي والفلاح؛ والعلاقة بين الأمير ورغبته هي نفس العلاقة التي بين الفلاح وأرضه. إذن إلى أي درجة من السمو والتعالي على البشرية قد وصل هذا الكاتب في الشؤون العامة؟ يحكم روسو ويسود على المُشرّعين أنفسهم، ويعلّمهم صنعتهم في هذه العبارات المتغطرسة:

”هل ستعطون الاستقرار للدولة؟ إذن اجلبوا الأطراف المتناقضة واجعلوها متقاربة إلى أقرب حد ممكن. لا تتسامحوا لا مع الأثرياء ولا مع الشحاذين.

إذا كانت التربة فقيرة وعقيمة، أو كان الوطن صغيراً جداً لسكانه، تحولوا إلى الصناعة والفنون، وقايضوا هذه المنتجات بالطعام الذي تحتاجونه… في الأراضي الخصبة –إن كنتم قلة من السكان – كرّسوا كل اهتمامكم للزراعة لأنها تضاعف أعداد الناس؛ واهجروا الفنون لأنها لا تخدم إلا في تفريغ الأمة من سكانها…

إن كانت لديكم حدود ساحلية سهلة المنال ومكثفة، إذن غطّوا البحر بالسفن التجارية؛ سيكون لديكم وجود لامع ولكنه قصير. إن كانت بحاركم لا تغسل سوى الجروف الصخرية الصعبة، أتركوا الناس ليصبحوا برابرة ويأكلوا السمك، سيعيشون بهدوء اكبر - وربما أفضل – وبكل تأكيد، سيعيشون بسعادة.

باختصار، وبالإضافة إلى كل الأمثال والحكم المعروفة لدى الجميع، لكل شعب ظروفه الخاصة. وهذه هي نفس الحقيقة. لابد أن يخلق التشريع المتوافق مع الظروف.

هذا هو السبب الذي جعل اليهود سابقاً، والعرب حديثاً، يجعلون الدين هدفهم الرئيس والمبدئي. كان هدف الأثينيين هو الأدب، وهدف قرطاج وتاير هو التجارة، وهدف رودس هو الشؤون البحرية، وهدف إسبارطة هو الحرب، وهدف روما هو الفضيلة. لقد أوضح مؤلف كتاب ”روح القوانين“ الفن الذي يجب على المُشرّع أن يقود من خلاله مؤسساته صوب كل هدف من هذه الأهداف… ولكن افترض أن المُشرّع أخطأ الهدف المناسب، وعمل على مبدأ مختلف كما تشي به طبيعة الأشياء؟ افترض أن المبدأ الذي وقع عليه الاختيار يخلق العبودية في بعض الأحيان، ويخلق الحرية، والثروة، والسكان، والسلام، والنصر في أحيان أخرى؟ إن هذا التشويش في الأهداف سيضعف القانون ببطء ويفسد الدستور. وستتعرض الدولة إلى هيجانات لا نهاية لها حتى يتم تدميرها أو تغييرها، فتقوم الطبيعة التي لا تقهر باستعادة إمبراطوريتها.“

ولكن إذا كانت الطبيعة لا تغلب حقاً وقادرة بما يكفي وما يمكنها من استعادة إمبراطوريتها، ِلمَ لا يقرّ روسو بأنها لا تحتاج إلى مشرّعٍ لتحصل عليها للمرة الأولى؟ لماذا لا يرى أن الناس، من خلال إتباعهم لغرائزهم سيرجعون إلى الزراعة في الأرض الخصبة، أو التجارة في السواحل السهلة والواسعة، من دون تدخل شخصٍ مثل ليكورجوس، أو سولون أو روسو، الذين قد يكونون على خطأ بكل بساطة.

الاشتراكيون يريدون الانسجام بالقوة

إذا كان الأمر كذلك، فإن روسو يقلد الخالقين، والمنظمين والموجهين، والمُشرّعين المسيطرين على المجتمع، يقلدهم مسؤولية رهيبة. وهو بذلك، يتطابق تماماً معهم:

”على الشخص الذي يجرؤ على الخلق السياسي للناس، عليه أن يؤمن بأنه يستطيع تحويل الطبيعة البشرية، إذا صح التعبير يحوّل كل فرد – كان كُلاً مستقلاً وكاملاً – بحد ذاته يحوله إلى مجرد جزءٍ في كُلٍّ أعظم وأكبر، يستمد منه الفرد من ذلك الحين فصاعداً، يستمد الحياة والكينونة. لذا فإن على الشخص الذي سيتولى مهمة الخلق السياسي للناس، عليه أن يؤمن بقدرته على تغيير تكوين الإنسان، ليقويه، يستبدل الوجود الجسدي المستقل المأخوذ من الطبيعة، يستبدله بوجود جزئي وأخلاقي****. وباختصار فإن على هذا الخالق المستقبلي المزعوم أن يزيل قوى الإنسان ويبعدها ومن ثم يمنحه قوى أخرى تكون بالطبع غريبة عنه.“

يا للطبيعة الإنسانية المسكينة! ما الذي سيحصل لكرامة الإنسان إذا ما وضعت بأيدي أتباع روسو؟

**** ملاحظة المترجم عن الفرنسية : وفقاً لروسو، إن وجود الإنسان الاجتماعي جزئياً من حيث أنه من ذلك الحين فصاعداً يصبح مجرد جزء من المجتمع. وعندما يدرك حقيقته تلك – في التفكير والإحساس من وجهة نظر الكل – يصبح كائناً أخلاقيا.

يرغب المُشرّعون في صياغة البشر

دعونا الآن نتمعن فيما قاله رينال في موضوع قولبة البشر وصياغتهم من قبل المُشرّع:

”على المُشرّع أولاً أن يتفحّص المناخ، والهواء، والأرض، فالموارد التي تحت تصرفه تحدّد واجبه. عليه أولاً أن يدرس موقعه. فالمجتمع الذي يعيش على السواحل الملاحية، لا بد أن تكون له قوانين خاصة بالملاحة… أما إذا كانت مستوطنة في جزيرة، فعلى المُشرّع أن يضع خططه بحسب خصوصية الطبيعة وخصوبة التربة …

إن عبقرية المُشرّع لتتواجد بشكل خاص، وتتجلى، في توزيع الأملاك. وكقاعدة عامة، عندما تُأسس مستعمرة في أي بلد، فإن كُلَ فردٍ يجب عليه أن يأخذ من الأرض ما يكفي لدعم عائلته …

في الجزيرة غير المتحضرة التي تحاولون جعلها مأهولة بالأطفال، لا تحتاجون إلى شيء سوى أن تتركوا بذرة الحقيقة تنشأ وتنمو بالتماشي مع تطور العقل… ولكن عندما تعيدون توطين أُمة ذات تاريخ في بلد جديد، فإن مهارة المُشرّع تكمن في سياسة عدم السماح للناس باتخاذ آراء وعادات جارحة أو عدائية من الممكن معالجتها وتصحيحها. إذا رغبتم في منع هذه الآراء والعادات من البقاء، فعليكم أن تحصّنوا الجيل الثاني من خلال نظامٍ تربوي عام للأطفال. لا يستطيع الأمير أو المُشرّع أن يؤسس مستعمرة بدون الترتيب أولاً لإرسال الحكماء لتدريس الشباب.“

في المستعمرة الجديدة، هناك فرصة واسعة أمام المُشرّع الحاذق الذي يرغب في تنقية عادات وأخلاقيات الناس. إن كان ذا عفةٍ وعبقرية، فإن الأرض والناس الذين تحت تصرفه سيلهمون روحه بخطة للمجتمع. ويستطيع الكاتب فقط أن يتتبع، بغموض، تلك الخطة مسبقاً لأنها ستكون حتماً عرضةً لعدم الثبات في جميع افتراضاتها. إن للمشكلة العديد من الأشكال والتعقيدات والظروف التي من الصعب التنبؤ بها وحلها بالتفصيل.

المُشرّعون تعلموا من غيرهم كيفية التعامل مع الناس

يمكن مقارنة توجيهات رينال للمشرعين بشأن كيفية التعامل مع الشعب، يمكن مقارنتها بتوجيهات أستاذٍ في الزراعة، وهو يحاضر على طلبته قائلا: ”المناخ هو القاعدة الأولى للمزارع. وموارده هي التي تحدد طريقته وأجراءه. عليه أولاً أن يدرس بيئته المحلية. إن كانت التربة طينية، فعليه أن يعمل كذا وكذا، وإن كانت التربة رملية عليه أن يتصرف بأسلوب آخر. كل أنواع التسهيلات مفتوحة أمام المزارع الذي يريد أن ينقي ويطور تربته. إن كان ماهراً بما فيه الكفاية، فإن السماد الذي تحت تصرفه سيملي عليه خطة العمل. لا يستطيع الأستاذ غير أن يتتبع بغموض هذه الخطة مسبقاً لأنه ستكون حتماً عرضة لعدم ثبات الافتراضات، إذ أن للمشكلة العديد من الأشكال والتعقيدات والظروف التي يصعب التنبؤ بها وحلها بشكل مفصّل.“

آه أيها الكتاب المُبّجلون! تذكروا رجاءاً في بعض الأحيان أن هذا الطين، وهذا الرمل، وهذا السماد الذي تتعاملون معه بشكل عشوائي هم بشر! متساوون معكم! هم أناس أذكياء وأحرار مثلكم! ومثلما استلمتم القدرة من الله على الملاحظة والتخطيط للمستقبل، وعلى التفكير والحكم على الأشياء بأنفسكم، فهم قد استلموا ذلك!

الدكتاتورية المؤقتة

وها هو [غابريل دي] مابلي يعلق على موضوع القانون والمُشرّع. لقد افترض مابلي في الفقرات التي سبقت الفقرة المقتبسة أدناه، افترض أن القانون ونتيجة لإهمال الأمن، قد تهرأ. وواصل مخاطبة القارئ كما يلي:

”تحت هذه الظروف، من الواضح أن ينابيع الحكومة راكدة ضعيفة، فأعطها دفقة جديدة، وسيشفى الشر… فكر في مكافأة ما تحتاجه أكثر من التفكير في معاقبة الأخطاء. وبهذا الأسلوب ستستعيد لشعبك حيوية الشباب. ولأن الناس الأحرار كانوا يجهلون هذا الإجراء فقد فقدوا حريتهم! أما إذا كان الشر قد أوغل في تفاقمه إلى حد أن الإجراءات الحكومية الاعتيادية تعجز عن شفائه ومعالجته، حينها الجأ إلى محكمة غير اعتيادية ذات صلاحيات معينة ولفترة قصيرة. فخيال المواطنين يحتاج إلى أن يصعق بصدمة قاسية.“

وبهذا الأسلوب، يستمر مابلي عبر مجلداته العشرين.

وتحت تأثير مثل هذه التعاليم – وهي نابعة من التعليم الكلاسيكي – مرّ وقتٌ شعر فيه كل فرد في أن يضع نفسه فوق البشرية من أجل أن ينظمها، ويرتبها ويضبطها بطريقته الخاصة.

يريد الاشتراكيون المساواة في الثروة

دعونا، بعد ذلك، نتفحص كونديلاك فيما يتعلق بموضوع المُشرّعين والبشر:

 

”يا سيدي، افترض نفسك ليكورجوس أو سولون. وقبل أن تنتهي من قراءة هذا المقال، متّع نفسك بإعطاء القوانين لبعض المتوحشين في أمريكا أو إفريقيا. حدّد هؤلاء البدو بمساكن ثابتة، وعلمهم تربية المواشي… حاول أن تطور الوعي الاجتماعي الذي زرعته الطبيعة فيهم.. أجبرهم على البدء بممارسة واجبات الإنسانية… استخدم العقاب لتجعل المتع الحسية تبدو غير محببة لديهم. حينها سترى إن كل نقطة من تشريعك ستتسبب في جعل هؤلاء المتوحشين يفقدون رذيلة ويكتسبون فضيلة.

كانت لدى جميع الناس قوانين. لكن القليل منهم كانوا سعداء. لماذا حصل ذلك؟ لأن المُشرّعين أنفسهم كانوا في الأعم الأغلب جاهلين بغاية المجتمع، ألا وهي توحيد العائلات بواسطة مصلحة عامة.

تتكون نزاهة القانون من شيئين: تأسيس المساواة في الثروة، والمساواة في الكرامة بين المواطنين… عندما تؤسس القوانين مساواة أكبر، تصبح أكثر عرضة للتشكيك من قبل جميع المواطنين. عندما يتساوى جميع الناس نسبياً في الثروة والكرامة، وعندما لا تترك القوانين أملاً في إزعاج هذه المساواة إذن كيف يُستَفزُ الناس بالجشع، أو الطموح، أو الإسراف، أو الامتناع عن العمل، أو الكسل، أو الحسد، أو الكره، أو الغيرة؟

ما عرفتموه حول إسبارطة يجب أن ينوّركم في هذا الشأن. ليس هناك من دولة أخرى قد حصلت على قوانين أكثر توافقاً مع نظامها الطبيعي والمساواة [ من دولة إسبارطة].“

خطأ الكتاب الاشتراكيين

في الواقع، ليس من الغرابة بمكان أن يعتبر الجنس البشري في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مادة خاملة، مستعدة لاستقبال كل شيء – الشكل، والوجه، والطاقة، والحركة، والحياة – من أمير عظيم أو من مشرع عظيم أو من عبقري عظيم. فهذان القرنان قد انتعشا على دراسة العصور القديمة وتراثها. وهذا التراث القديم في كل مكان – في مصر، وفي بلاد فارس، واليونان، وروما – يقدم مشهد قلة من الناس وهم يصوغون أو يقولبون البشر وفقاً لأهوائهم، والشكر كل الشكر لنفوذ القوة والاحتيال. ولكن هذا لا يبرهن على أن هذا الموقف موفق محبب. بل إنه يبرهن فقط على أنه طالما كان الناس والمجتمع قادرين على التطور، فمن الطبيعي أن نتوقع أن الخطأ، والجهل، والطغيان، والعبودية، والخرافة قد كانت في أوجها عند بداية التاريخ. لم يكن الكتاب الذين اقتبسنا كتاباتهم في أعلاه، على خطأ عندما وجدوا المؤسسات القديمة على هذه الشاكلة، ولكنهم كانوا مخطئين عندما قدّموا هذه المؤسسات لأجيال المستقبل ليقلدوها ويعجبوا بها. ولأنهم (أي الكتاب) توفيقيون وملتزمون وضعيفو التمييز أخذوا فخامة وكرامة وأخلاق وسعادة المجتمعات الزائفة في العالم القديم، أخذوها كمسلمات دون شك، لم يفهموا أن المعرفة تظهر وتنمو خلال الوقت، وأنه بالتناسب مع نمو المعرفة، تأخذ القوة جانب الحق والصواب ويستعيد المجتمع امتلاك نفسه.

ما هي الحرية؟

ما هي حقيقة الصراع السياسي الذي نشهده؟ إنه الصراع الغريزي لكل الناس من أجل الحرية. وما هي هذه الحرية، التي اسمها يجعل القلب يخفق بسرعة تهز العالم؟ أليست هي اتحاد جميع الحريات – كحرية المعتقد، وحرية التعليم، وحرية الارتباط، وحرية الصحافة، وحرية السفر، وحرية العمل، وحرية التجارة؟ باختصار، أليست الحرية هي حرية الفرد في استخدام قدراته الطبيعية طالما كان عمله لا يؤذي الآخرين أثناء ذلك؟ أليست الحرية تحطيم كل الاستبداد – بما في ذلك الاستبداد الشرعي بالتأكيد؟ وأخيراً، أليست الحرية هي إبقاء القانون ضمن مداره العقلاني في تنظيم حق الفرد في الدفاع القانوني عن الذات، أو معاقبة الظلم؟

لابد من الاعتراف بأن ميل الجنس البشري نحو الحرية قد تضاءل كثيراً، لاسيما في فرنسا. ويعزى هذا بشكل كبير إلى الرغبة المهلكة – المستقاة من تعاليم العصور القديمة – والتي يتشابه فيها جميع كتّابنا في الشؤون العامة: إنهم يرغبون في أن يضعوا أنفسهم فوق البشرية من أجل أن ينظموها، ويرتبوها، ويضبطوها حسب أهوائهم.

الطغيان الخيري

بينما يناضل المجتمع من أجل الحرية، امتلأ هؤلاء الرجال الذين وضعوا أنفسهم على رأس المجتمع، امتلأوا بروح القرنين السابع عشر والثامن عشر. فهم يفكرون فقط في تعريض الإنسانية إلى الطغيان الخيري (الإنساني) لمخترعاتهم الاجتماعية. وكما هو الحال مع روسو، يرغبون في إجبار البشر، تربوياً على حمل نير الرفاهية العامة التي كانوا يحلمون بها في خيالاتهم.

وكان هذا صحيحاً حقاً عام 1789. فما إن تحطّم النظام القديم حتى تعرّض المجتمع إلى تنظيمات زائفة أخرى، مبتدئاً دائماً من نفس النقطة ألا وهي: القدرة الكلية للقانون.

لنستمع إلى أفكار القليل من الكتّاب والسياسيين خلال تلك الفترة:

سينت - جست: ”المُشرّع يسيطر على المستقبل فهو الذي له الإرادة الحقيقية في منفعة البشر. وهو الذي له أن يصنع الناس بالشكل الذي يريدهم أن يكونوا عليه.“

روبيسبيير: ”إن وظيفة الحكومة هي أن توجه القوى الجسدية والأخلاقية تجاه الهدف الذي خلقت من أجله الجمهورية.“

بيلود - فارينيس: ”الشعب الذي يروم العودة إلى الحرية لابد من أن تعاد صياغته بشكل جيد. فالقوة الجبارة والعمل النشيط ضروريان لتدمير الأذى والإجحافات القديمة، ولفرض القيود على الإجحافات الزائدة، ولتدمير الرذائل المتأصلة… أيها المواطنون، لقد خلقت قسوة وصراحة ليكورجوس الأساس المتين لجمهورية إسبارطة، أما شخصية سولون الضعيفة الواثقة بالآخرين فقد غمرت أثينا في بحر العبودية. وينطبق هذا التوازي على علم الحكومة بأسره.“

لوبيلليتيير: ”مع الأخذ بعين الاعتبار درجة الانحلال الإنساني، فإني على اقتناع بضرورة إعادة التشكيل و - لو سمحت لنفسي أن أعبر - خلق أناس جدد.“

الاشتراكيون يريدون الدكتاتورية

مرة أخرى، يزعمون بأن الأشخاص ليسوا سوى مادة خام. ليست لهم إرادة تطوير أنفسهم، فهم لا يقدرون عليها. المُشرّع وحده، بحسب سينت - جست، هو من يقدر على ذلك. أما الأشخاص فهم ليسوا سوى ما يريدهم المُشرّع أن يكونوا. أما برأي روبيسبيير الذي اقتبس روسو حرفياً، فإن المُشرّع يبدأ بسّن الهدف الذي خلقت من أجله الجمهورية. وبعد أن يتحدد ذلك الهدف، ليس على الحكومة غير أن توجّه القوى الجسدية والأخلاقية للأمة صوبه. في غضون ذلك، يبقى سكان الأمة سلبيين تماماً. وبموجب تعاليم بيلود-فارينيس، فيجب أن لا يكون هناك تحيز أو تحامل أو مشاعر، أو رغبات لدى الناس غير تلك التي اقرّها المُشرّع. ويذهب إلى أبعد من ذلك عندما يقول أن صرامة الرجل وقسوته هي أساس الجمهورية.

في الحالات التي يكون فيها الشر المزعوم كبيراً جداً بحيث أن الإجراءات الحكومية الاعتيادية تقف عاجزة عن شفائه، يوصي مابلي بالدكتاتورية لتوسيع الفضيلة. فيقول: ”الجؤوا إلى محكمة غير اعتيادية ذات صلاحيات معينة ولوقت قصير. إذ أن خيال المواطنين يحتاج أن يتلقى ضربة قاسية.“ لم ينسَ أحد هذا المعتقد بعد. استمعوا إلى روبيسبيير إذ يقول:

”إن مبدأ الحكومة الجمهورية هو الفضيلة، والأسلوب اللازم لتأسيس الفضيلة هو الرعب. في بلادنا، نرغب أن نستبدل الأنانية بالأخلاق، والإجلال أو المجد بالنزاهة، والأعراف بالمبادئ، وأنماط وعادات السلوك بالواجب، وطغيان الشكل بإمبراطورية العقل، وازدراء الفقر بازدراء الرذيلة، والغطرسة بالكبرياء، والغرور بعظمة الروح، وحب المال بحب المجد، والرفاق الجيدين بالناس الخيرين، والخداع الماكر بالمرح البريء، والدهاء بالعبقرية، والبريق بالحقيقة، ورتابة المتعة بسحر السعادة، واحتقار العظماء بعظمة الإنسان، والشعب الممتهن التافه الساذج بشعب عظيم كريم قوي وسعيد؛ وباختصار فإننا نرغب في استبدال جميع رذائل وسخافة النظام الملكي بجميع فضائل ومحاسن الجمهورية.“

الغطرسة الدكتاتورية

في أي علوّ هائلٍ فوق سائر البشر يضع روبيسبيير نفسه! وانظروا إلى الغطرسة التي يتكلم بها. فهو ليس مقتنعاً بالصلاة من أجل يقظة أو انبعاث عظيم في الروح الإنسانية. كما لا يتوقع نتيجة كهذه من حكومة حسنة التنظيم. كلا بل إنه نفسه مَن سيعيد صياغة البشر، ومن خلال الرعب.

لقد اقتبست هذا الكم من العبارات العفنة والمتناقضة من خطاب لروبيسبيير أراد فيه أن يوضح مبادئ الأخلاق التي يجب أن تقود الحكومة الثورية. لاحظوا أن طلب روبيسبيير للدكتاتورية لم يكن لغرض إفشال غزو أجنبي أو إخماد جماعات متمردة. بل أنه يريد الدكتاتورية من أجل أن يستخدم الرعب ليفرض مبادئه الأخلاقية على البلاد. ويقول إن هذا الفعل سيكون بمقدار معين ومؤقت يسبق الدستور الجديد. ولكن في الواقع، هو لا يرغب في أي شيء قصير ومؤقت لاستخدام الرعب لكي يزيل من فرنسا الأنانية، والإجلال، والأعراف، والعادات، والمظاهر، والغرور، وحب المال، والرفقة الجيدة، والخداع، والدهاء، والحسية، والفقر. ولن يسمح روبيسبيير بإعادة القانون ثانية قبل أن ينجز كل هذه المعجزات كما أسماها هو فعلاً.*****

***** عند هذه النقطة، في النص الفرنسي الأصلي، يقف السيد باستيا ويتكلم لجميع المصلحين والقادة المستقبليين للبشرية قائلاً: آه أنتم أيها المخلوقات البائسة! أنتم يا من تتصورون أنكم عظماء! أنتم يا من جزمتم بأن الإنسانية ضئيلة جداً! تريدون إصلاح كل شيء! لمَ لا تصلحون أنفسكم؟ سيكون ذلك مناسباً بما فيه الكفاية.

الطريقة غير المباشرة للاستبداد

على كل حال، عادة ما يكون هؤلاء الرجال – المصلحون والمُشرّعون والكتّاب في الشؤون العامة – غير راغبين في فرض الاستبداد على البشر بشكل مباشر. آه كلا، فهم أكثر اعتدالاً وإنسانية من أن يستخدموا مثل هذا الفعل المباشر. وعوضاً عن ذلك، يذهبون إلى القانون لأجل هذا الاستبداد، ولأجل هذا الحكم المطلق، ولأجل هذه القدرة الكلية. إنهم يرغبون فقط في صنع القوانين.

ولكي أبيّن مدى تفشي هذه الفكرة الغريبة في فرنسا، سأحتاج إلى استنساخ جميع أعمال مابلي، ورينال، وروسو، وفينيلون – إضافة إلى اقتباسات طويلة من بوسيو ومونتيسكيو– ليس هذا فحسب، بل وحتى محاضر جلسات المؤتمر [الحكومي]. لن أقوم بشيء كهذا بل أشير للقارئ بتلك الأعمال فقط.

أراد نابليون بشراً سلبيين

ليس من الغرابة بمكان قط أن تروق هذه الفكرة ذاتها لنابليون وتعجبه كثيراً. فقد اعتنقها بحماسة واستخدمها بقوة. ومثل كيميائي، اعتبر نابليون أوروبا كلها بمثابة مادة لتجاربه. ولكنها ثارت هذه ضده في الوقت المناسب.

وفي سانت هيلينا، بدأ نابليون – الواهم كثيراً – وكأنه أدرك وجود بعض المبادرة لدى البشر. وعند إدراك هذا أصبح أقل عدوانية للحرية. مع ذلك فإن هذا لم يمنعه من أن يترك هذا الدرس لأبنه في الوصية: ”أن تحكم يعني أن تزيد وتوسع الأخلاق، والتعليم، والسعادة.“

بعد كل هذا، ليس من الضروري اقتباس الأفكار ذاتها من موريلي، وبابيوف، وأوين، وسانت سايمون، وفوريير. وعلى أية حال، فهذه بعض المقتبسات من كتاب لويس بلانك في تنظيم العمل إذ يقول: ”في خطتنا، يستمد المجتمع قوته الدافعة من السلطة.“

والآن تمعنوا في هذا: الحافز وراء تلك القوة الدافعة يتوفر من خلال خطة لويس بلانك، ويراد بهذه الخطة أن تُفرض على المجتمع، ونعني بالمجتمع الجنس البشري. لذا فإن الجنس البشري سيستمد قوته الدافعة المحفزة من لويس بلانك.

سيقال الآن إن الناس أحرار في قبول أو رفض هذه الخطة. حقاً، الناس أحرار في قبول أو رفض النصيحة من أي شخص يرغبون. ولكن هذه الطريقة التي يفهم السيد لويس بلانك بها القضية. فهو يتوقع أن تعطى خطته رداء شرعياً [أي أن تُشَرعَن] و بذلك تفرض على الناس بقوة القانون:

”في خطتنا، على الدولة فقط أن تسن قوانين العمل (ولا شيء سواها؟) التي من خلالها يستطيع التقدم الصناعي أن يستمر بحرية كاملة، ويجب عليه ذلك. الدولة حسبها أن تضع المجتمع على منحدر (فقط؟) بعدئذ سينزلق المجتمع منحدراً بواسطة القوة المجردة للأشياء، وبواسطة الاشتغالات الطبيعية للميكانيكية المؤسَّسَة.“

ولكن ما هو المنحدر الذي أشار إليه السيد لويس بلانك؟ ألا يقود هذا المنحدر إلى الهاوية؟ (كلا، بل إنه يقود إلى السعادة.) إن كان هذا صحيحاً، فلماذا لا يذهب المجتمع إلى هناك باختياره؟ (لأن المجتمع لا يعرف ماذا يريد، لا بد أن يُدفع) ما الذي يدفعه؟ (القوة) ومن الذي يوفر الحافز لهذه القوة؟ (لماذا؟ يوفرها مخترع الماكنة –وفي هذا المثال هو السيد لويس بلانك).

الدائرة الاشتراكية الشريرة

سوف لن نهرب من هذه الدائرة: فكرة البشر السلبية، وقوة القانون التي يخلقها رجل عظيم ليدفع الناس ويحفزهم.

هل سيستمتع المجتمع بشيء من الحرية عندما يكون على هذا المنحدر؟ ( بالتأكيد)، وما هي الحرية يا سيد لويس بلانك؟

مرة واحدة والى الأبد، ليست الحرية مجرد حق ممنوح، بل إنها أيضاً القوة الممنوحة إلى الشخص ليستخدم ويطور قدراته تحت حكم العدالة وتحت حماية القانون.

وليس هذا بالتمييز الأحمق، فمعناه عميق وتبعاته صعبة التخمين. فما أن يتفق على وجوب امتلاك الفرد لصلاحية استخدام وتطوير قدراته لأجل أن يكون حرّاً، يترتب على ذلك أن يكون لكل فرد حق مطالبة المجتمع بنوع من التعليم يسمح له بتطوير نفسه. كما يترتب على ذلك أيضاً أن يطالب المجتمع بوسائل الإنتاج التي لا يمكن بدونها أن تكون الفعالية الإنسانية مؤثرة بشكل تام. الآن، بأي دعوى يستطيع المجتمع أن يعطي لكل فرد التعليم اللازم ووسائل الإنتاج اللازمة إن لم يكن بدعوى الدولة؟

لذا، مرة أخرى فالحرية هي القوة. ومم تتكون هذه القوة؟ (تتكون من التعليم، ومن امتلاك وسائل الإنتاج) ومَنْ الذي يعطي التعليم ووسائل الإنتاج؟ (المجتمع الذي يملكها للجميع). بأي دعوى يعطي المجتمع وسائل الإنتاج لهؤلاء الذين لا يمتلكونها؟ (لماذا؟ بدعوى الدولة). وممن ستأخذها الدولة؟

لندع القارئ يجيب عن هذا السؤال. ولندعه يلاحظ الاتجاه الذي يأخذها إليه هذا.

مذهب الديمقراطيين

إن ظاهرة عصرنا الغريبة – تلك التي قد تذهل أحفادنا – هي ذلك المذهب المستند إلى فرضية ثلاثية: الخمول التام للبشر، والقدرة الكلية للقانون، واستحالة وقوع المُشرّع في الخطأ. وتشكل هذه الأفكار الثلاثة رمزا مقدّسا لهؤلاء الذين يصرّحون بأنهم ديمقراطيون تماماً.

كما يقرّ أنصار هذا المذهب أيضاً بأنهم اشتراكيون. وطالما كانوا ديمقراطيين فإنهم يضعون إيماناً لا محدوداً في البشر. وطالما كانوا اشتراكيين، فهم يعتبرون البشر شيئاً أفضل بقليل من الطين. لنتفحص هذا التناقض الكبير بشيء من التفصيل.

ما هو موقف الديمقراطيّ عندما تكون الحقوق السياسية تحت المناقشة؟ كيف يُنظَر إلى الناس عندما يراد اختيار مشرع؟ آه، حينها يُدَّعى أن لدى الناس حكمةً غريزةً، وأنهم موهوبون بأفضل أنواع الإدراك، فإراداتهم دائماً على صواب، وأن الإرادة العامة لا يمكن أن تخطئ، وأن التصويت لا يمكن أن يكون شاملاً جداً.

عندما يحين وقت التصويت، لا يُطلَبُ من الناخب، كما هو واضح، أن يقدم ضمانات بحكمته. لأن إرادته وقدرته على الاختيار الحكيم مسلّم بها. أيمكن أن يكون الناس على خطأ؟ ألسنا نعيش في عصر التنوير؟ ماذا! هل يجب أن يبقى الناس دائماً مكبلين بالقيود؟ ألم يفوزوا بحقوقهم بالجهد العظيم والتضحية؟ ألم يعطوا برهاناً وافياً على ذكائهم وحكمتهم؟ أليسوا بالغين؟ أليسوا قادرين على إطلاق الأحكام والتقييم بأنفسهم؟ ألا يعرفون ما هو الأفضل لهم؟ أهناك طبقة أو رجلاً يمكن أن يكون شجاعاً بما فيه الكفاية بحيث يضع نفسه فوق الناس ليحكم ويتصرف بالنيابة عنهم؟ كلا، كلا، الناس أحرار ويجب أن يكونوا كذلك. يرغبون في إدارة شؤونهم الخاصة، وسيقومون بذلك.

لكن عندما يُنَتخَب المُشرّع – آه! فإن نبرة كلامه حقاً ستشهد تغيراً جذرياً. فسرعان ما يعود الناس إلى سلبيتهم، وخمولهم، وعدم وعيهم، ويدخل المُشرّع في القدرة المطلقة. والآن جاء دوره فهو من يبادر ويوجه ويدفع وينظم. وعلى البشرية أن تخضع فقط، فقد دقت ساعة الاستبداد. الآن نشاهد هذه الفكرة القائلة: إن الناس الذين كانوا، خلال فترة الانتخابات أذكياء جداً، مؤدبون جداً، كاملون جداً، قد أصبحوا الآن عديمي الموقف والاتجاه تماماً، أو أن كان لديهم اتجاه معين، فإنها محض اتجاهات تقود للأسفل حيث الانحطاط.

المفهوم الاشتراكي للحرية

لكن ألا يجب أن يعطى الناس بعضاً من الحرية؟

لكن السيد كونسيديرانت أكد لنا أن الحرية تقود حتماً إلى الاحتكار! نفهم من أن الحرية تعني التنافس. ولكن التنافس، كما يراه السيد مونت بلانك، نظام يدمر رجل الأعمال ويبيد الناس. ولهذا السبب نجد أن الأحرار من الناس يتحطمون ويبادون بالتناسب مع درجة حريتهم. (ربما كان على السيد لويس بلانك ملاحظة نتائج التنافس في السويد، مثلاً، وهولندا، وانكلترا، والولايات المتحدة).

يخبرنا السيد لويس بلانك أيضاً أن التنافس يقود إلى الاحتكار. وبنفس الاستدلال المنطقي فهو بذلك يخبرنا أن الأسعار الواطئة تقود إلى الأسعار العالية، وأن التنافس يقود الإنتاج إلى فعالية تدميرية، وأن التنافس يجفف مصادر قوة الشراء، وأن التنافس يفرض زيادة في الإنتاج بينما في ذات الوقت يفرض تناقضاً في الاستهلاك. من هذا يتبين أن الناس الأحرار لا ينتجون لأجل الاستهلاك، وأن الحرية تعني القمع والجنون بين الناس، وأن على السيد لويس بلانك أن يعتني بهذا الأمر.

الاشتراكيون يخشون جميع الحريات

حسناً، ما الحرية التي على المُشرّعين أن يسمحوا بها للناس؟ أهي حرية المعتقد؟ (لكن إذا سمح بهذه الحرية، سنرى أن الناس يستغلون هذه الفرصة ليصبحوا ملحدين).

أم حرية التعليم؟ (ولكن الآباء سيدفعون للأساتذة ليعلموا أطفالهم الفجور والزيف، إضافة إلى ذلك، بحسب ثيرز، إذا ما تُرك التعليم للحرية الوطنية، فإنه سوف لن يكون وطنياً، وسنجد أنفسنا ندرس لأطفالنا أفكار الأتراك أو الهندوس، بينما الآن فالشكر كل الشكر للاستبداد الشرعي المفروض على التعليم، إذ إن أطفالنا الآن ينعمون بفرصة تعلم أفكار الرومان النبيلة).

إذن حرية العمل؟ (ولكن ذلك سيعني التنافس الذي بدوره يترك الإنتاج غير المستهلك، ويدمر رجال الأعمال ويبيد الناس).

ربما حرية التجارة؟ ( ولكن الكل يعرف – وقد أكد أنصار تعريفة الحماية مراراً وتكراراً - أن حرية التجارة تدمر كل فرد يشترك بها، وأن من الضروري منع حرية التجارة من أجل التقدم).

من الممكن، إذن، حرية الاتحاد؟ (لكن حسب المذهب الاشتراكي، الحرية والحقيقية والاتحاد الطوعي على طرفي نقيض، وغاية الاشتراكية هي قمع حرية الاتحاد بالذات من أجل إجبار الناس على التوحد والارتباط فيما بينهم في حرية حقيقية).

إذن، فمن الواضح أن ضمير الديمقراطيين الاشتراكيين لا يستطيع السماح للأشخاص بامتلاك أية حرية لأنهم يعتقدون أن طبيعة البشر تميل دائماً صوب كل أنواع الانحطاط والكارثة. لذا، بالطبع، على المُشرّعين أن يضعوا الخطط للناس من أجل إنقاذهم من أنفسهم.

ويقودنا هذا السطر الأخير من الاستدلال المنطقي إلى سؤال ملّح ومتحدٍ وهو: إذا كان الناس عاجزين، وفاسقين وجاهلين إلى هذا الحد الذي يؤشره السياسيون، إذاً لماذا يدافعون عن حق هؤلاء الناس أنفسهم بالتصويت بكل هذا الإصرار المتحمس؟

فكرة الرجل الأمثل

تطرح مزاعم منظمي الإنسانية هؤلاء سؤالاً آخر، لطالما طرحته عليهم، وعلى ما أتذكر، لم أتلق جواباً شافياً منهم إلى الآن: إذا كانت ميول البشر الطبيعية سيئة إلى الحد الذي يجعل من غير الصحيح السماح للناس بالحرية، فكيف أصبحت ميول هؤلاء المنظمين حسنة دائماً؟ أليس المُشرّعون وعملاؤهم المعينون ينتمون أيضاً إلى الجنس البشري؟ أم أنهم يعتقدون أنهم مصنوعون من طينٍ أفضل من ذلك الذي صُنع منه سائر البشر؟ يؤكد المنظمون أن المجتمع، عندما يترك بلا توجيه، سيمضي قدماً إلى دماره المحتوم. لأن غرائز البشر منحرفة جداً. يزعم المُشرّعون إيقاف هذا المسار الانتحاري بإعطائه اتجاهاً عقلانياً. ويبدو ظاهرياً، أن المُشرّعين والمنظمين قد استلموا من السماء ذكاء وفضيلة. تضعهم في موقع أعلى من البشر، إن كان كذلك، دعهم يقدمون ما يثبت ملكيتهم لهذا الترفّع أو التفوّق.

سيكونون بمثابة الرعاة على رؤوسنا، ونحن أغنامهم. وبالطبع إن ترتيباً كهذا يفترض مسبقاً أنهم أفضل وأرفع منّا. ولاشك أننا محقون تماماً عندما نطلب من المُشرّعين والمنظمين أن يبرهنوا لنا هذا الترفع أو التفوق الطبيعي.

الاشتراكيون يرفضون الاختيار الحر

رجاءً، حاولوا أن تفهموا أنني لست بصدد مناقشة حقهم في اختراع الاتحادات الاجتماعية، والترويج لها، أو تأييدها وتجريبها على أنفسهم، على حسابهم الخاص وعلى مسؤوليتهم ولكنني أناقش حقهم في فرض خططهم علينا بالقانون – بالقوة– وإجبارنا على أن ندفع لها من خلال ضرائبنا.

أنا لا ألح بالقول إن على أنصار هذه المدارس الفكرية الاجتماعية المتنوعة -كالبراودونسيتيون، والكابتسون، والفورستيون، والجامعيين، والحمائيين (أنصار مذهب حماية الإنتاج الوطني) – لا ألح بالقول إن عليهم أن يتركوا أفكارهم المتنوعة و يتبرؤوا منها. بل ألح فقط على ضرورة تركهم لتلك النقطة التي يتشابهون فيها جميعاً: يحتاجون فقط للتخلي عن فكرة إجبارنا على الإذعان لمجاميعهم و حلقاتهم ومشاريعهم الاشتراكية، وبنوكهم عديمة الفوائد المصرفية، ومفهوهم الإغريقي/ الروماني للأخلاق، وضوابطهم التجارية. أطلب فقط أن يسمحوا لنا أن نقرر بأنفسنا ما يتعلق بتلك الخطط، وأن لا نُجبر على قبولها بشكل مباشر أو غير مباشر، إذا ما وجدناها على نقيض من مصالحنا الرئيسية أو معارضة لمعتقداتنا.

إلا أن هؤلاء المنظمين يرومون الوصول إلى الموارد الضريبية وإلى قوة القانون لأجل تنفيذ خططهم. إضافة إلى طبيعتها الظالمة والقمعية، تتضمن هذه الرغبة افتراضا حتمياً بأن المنظم معصوم عن الخطأ وأن البشر غير مؤهلين. ولكن أقولها ثانية، إذا كان الأشخاص غير مؤهلين لأن يحكموا ويقيموا الأشياء بأنفسهم، إذن لماذا كل هذا الكلام عن حق الانتخاب الشامل؟

سبب الثورة الفرنسية

لقد انعكس هذا التناقض في الأفكار، لسوء الحظ ولكن بشكل منطقي، انعكس في الأحداث في فرنسا، على سبيل المثال، لقد قاد الفرنسيون سائر الأوروبيين إلى الحصول على حقوقهم – أو، بدقة أكثر، مطالبهم السياسية. مع ذلك، فإن هذه الحقيقة لم تمنعنا بأي حال من الأحوال من أن نكون الشعب الأكثر امتثالاً للحكم والأكثر انضباطاً، والأكثر قمعاً، والأكثر قيوداً، والأكثر استغلالاً في أوروبا كما قادت فرنسا أيضاً جميع الأمم الأخرى بوصفها الأمة التي يتوقع فيها على الدوام حدوث الثورات. وتحت هذه الظروف، فإن من الطبيعي جداً أن يكون الحال هكذا.

ويبقى الحال هكذا طالما استمر سياسيونا في قبول هذه الفكرة التي عبر عنها السيد لويس بلانك بشكل وافٍ حين قال: ”يستلم المجتمع القوة الدافعة للحركة من السلطة.“ سيبقى الحال هكذا طالما استمر البشر ذوو الإحساس بالسلبية، وطالما اعتبروا أنفسهم غير قادرين على تحسين ازدهارهم وسعادتهم بذكائهم ونشاطهم، وطالما ظلوا ينتظرون كل شيء من القانون، وباختصار طالما استمروا في التصور أن علاقتهم بالدولة أشبه بعلاقة الأغنام بالراعي.

القوة الهائلة للحكومة

طالما انتشرت هذه الأفكار فمن الواضح أن مسؤولية الحكومة جسيمة وهائلة. إن حسن الحظ وسوء الحظ، والغنى والفقر المدقع، والمساواة وعدم المساواة، والفضيلة والرذيلة – كلها حينئذ تعتمد على الإدارة السياسية. فهي تتحمل كل الأعباء وتتولى كل شيء، وتفعل كل شيء، لذا فهي مسؤولة عن كل شيء.

إن كنا محظوظين، إذن فالحكومة تستحق امتناننا، لكن إذا أصابنا سوء الحظ حينها يجب أن تتحمل الحكومة كل اللوم. أليست أشخاصنا وأملاكنا الآن تحت تصرف الحكومة؟ أليس القانون ذا قدرة كلية؟

عند خلق احتكار تعليمي، يجب على الحكومة أن تلبي كل تطلعات أرباب العوائل الذين حرموا بهذا الشكل من حريتهم وإذا تحطمت هذه التطلعات والآمال فالذنبُ ذنبُ مَن؟

عند تنظيم الصناعة، تلتزم الحكومة بازدهارها، وإلا فمن غير المعقول حرمان الصناعة من حريتها. وإذا ما عانت الصناعة الآن فالذنبُ ذنبُ مَن؟

عند التدخل في التوازن التجاري من خلال اللعب بالتعريفة، فهنا تتعهد الدولة بجعل التجارة تزدهر، ولكن إذا نَجَم عن ذلك الدمار بدلاً من الازدهار فالذنبُ ذنبُ مَن؟

عند إعطاء الصناعات الحماية مقابل حريتها، تلتزم الدولة بجعلها (أي الصناعات) نافعة ولكن إن أصبحت عبئاً على دافعي الضرائب فالذنب ذنب من؟

لذلك، ليس هناك من مظلة في الأمة التي لا تتطوع فيها الحكومة بتحمل كل المسؤولية، أليس من المدهش، إذن أن كل إخفاق يصعّد وتيرة التهديد بثورة أخرى في فرنسا؟

ما هو العلاج المقترح لهذا؟ توسيع مجال القانون بشكل غير محدد، أي توسيع مسؤولية الحكومة.

ولكن الحكومة إذا تعهدت بالسيطرة على الأجور ورفعها، وأخفقت في ذلك، إذا تعهدت الحكومة بالاهتمام بالمعوزين، وأخفقت في ذلك، إذا تعهدت الحكومة بدعم العمال العاطلين، وأخفقت في ذلك، إذا تعهدت الحكومة بإعطاء قروض بدون فوائد لكل المستدينين، وأخفقت في ذلك، وباستخدام هذه الكلمات التي نأسف لأنها جاءت من قلم السيد دي لامارتين، إذ ”أعتبرت الدولة أن غايتهم هي تنوير وتطوير وتوسيع وتقوية وتطهير وتقديس روح الشعب“ – وإذا أخفقت الحكومة في عمل كل هذه الأشياء، فماذا بعد ذلك؟ أليس من المؤكد بعد كل إخفاق حكومي– وهو للأسف إخفاق أكبر من المعقول – ستكون هناك ثورة حتمية موازية؟

السياسة والاقتصاد

[الآن دعونا نرجع إلى موضوع نوقش باختصار في الصفحات الأولى من هذه الأطروحة: العلاقة بين الاقتصاد والسياسة – الاقتصاد السياسي]******.

 

يجب إعداد وتطوير علم الاقتصاد قبل الشروع بتكوين علم للسياسة بشكل منطقي. الاقتصاد أساساً هو العلم الذي يحدد ما إذا كانت مصالح أبناء البشر متناغمة أم متضادة. لا بد من معرفة هذا الأمر قبل تكوين علم للسياسة لتحديد الوظائف الصحيحة للحكومة.

بعد تطور علم الاقتصاد مباشرة وفي بداية الشروع بتأسيس علم للسياسة لابد من الإجابة عن هذا السؤال المهم جداً: ما هو القانون؟ ما الذي ينبغي أن يكون عليه؟ ما هو مداه أو ما هي حدوده؟ وما هي منطقياً النقطة التي تقف عندها القوى العادلة للمشرع؟

لا أتردد في الإجابة: القانون هو القوة العامة التي نٌظّمَت لتعمل كعائق للظلم. باختصار القانون هو العدالة.

****** ملاحظة المترجم عن الفرنسية : كرس السيد باستيات ثلاثة كتب أخرى ومقالات عديدة لتطوير الأفكار المتضمنة في الجمل الثلاث في الفقرة اللاحقة.

الوظائف التشريعية الملائمة

ليس صحيحاً أن للمشرّع سلطة مطلقة على الأشخاص والملكية. فوجود الأشخاص والأملاك سبق وجود المُشرّع، ووظيفته هي أن يضمن سلامتهم فقط.

ليس صحيحاً أن وظيفة القانون هي أن ينظم علومنا، أو أفكارنا، أو إرادتنا، أو تعليمنا، أو آرائنا، أو عملنا، أو تجارتنا، أو مواهبنا، أو متعنا. إن وظيفة القانون هي حماية الممارسة الحرة لهذه الحقوق، ومنع أي شخص من التدخل في الممارسة الحرة لهذه الحقوق ذاتها من قبل أي شخص آخر.

وبما أن القانون يحتاج بالضرورة إلى دعم القوة، فإن مجاله القانوني هو الوحيد من بين المجالات التي يكون استخدام القوة ضروريٌ فيها. وهذه هي العدالة.

لكل فرد الحق باستخدام القوة للدفاع القانوني عن نفسه. ولهذا السبب، يمكن استعمال القوة الجمعية – التي هي الاتحاد المنظم الوحيد للقوى الفردية – يمكن استخدامها بشكل قانوني لنفس الغرض؛ ولا يمكن استخدامها بشكل شرعي لأي غاية أخرى.

القانون هو فقط تنظيم الحق الفردي في الدفاع عن الذات الذي وُجد قبل أن يُسَّن القانون. القانون هو العدالة.

القانون والإحسان ليسا شيئاً واحداً

ليست رسالة القانون هي قمع الأشخاص ونهب ممتلكاتهم منهم، حتى وإن كان القانون يعمل بروحية خيرية إنسانية. رسالته هي أن يحمي الأشخاص والملكية.

إضافة إلى ذلك، يجب أن يقال إن القانون يمكن أن يكون خيرياً إذا كفّ عن قمع الأشخاص ونهب ملكياتهم منهم؛ سيكون هذا تناقضاً. لا يستطيع القانون أن يتجنب التأثير على الأشخاص والملكية؛ وإذا عمل القانون بأي أسلوب عدا حمايتهما، فإن أعماله ستقوم بالضرورة بخرق حرية الأشخاص وحقهم في ملكيتهم.

القانون هو العدالة – بسيطة وواضحة، محددة ودقيقة ومُلزمة. تستطيع كل عين أن تراها، وكل عقل أن يستوعبها، لأن العدالة ممكنة القياس، وغير قابلة للتحول، ولا يمكن أن تتغير. العدالة ليست أكثر من هذا ولا أقل منه.

إذا تجاوزتم هذا الحد الطبيعي – إذا حاولتم أن تجعلوا القانون دينياً، أخوياً، منصفاً، إنسانياً خيرياً، صناعياً، أدبياً، أو فنياً – ستضيعون حينها في مناطق مجهولة، في غموض وشك في يوتوبيا إجبارية، أو في ما هو أسوأ من ذلك، حشدٌ من المدن الفاضلة (اليوتوبيات) يسعى كل منها إلى الإمساك بالقانون وفرضه عليكم. وهذا شيء صحيح لان الأخوّة والنزعة الخيرية، على خلاف العدالة، لا تمتلك حدوداً واضحة عندما تبدأ، أين ستوقفونها؟ وأين سيوقف القانون نفسه؟

الطريق الأمثل للشيوعية

يقتصر السيد دي سانت كرك بنزعات الخيرية على المجاميع الصناعية فقط، فيطلب من القانون أن يسيطر على المستهلكين ليستفيد المنتجون.

أما السيد كونسيديرانت فيرعى قضية مجاميع العمل فيستخدم القانون ليكفل لهم الحد الأدنى من الملابس، والإسكان، والطعام المضمون، إضافة إلى كل ضروريات الحياة.

ويقول السيد لويس بلانك – بشيء من المنطق – أن ضمانات الحد الأدنى هذه هي بداية الإخوة الكاملة، سيقول أن على القانون أن يعطي وسائل الإنتاج والتعليم لكافة أبناء الطبقة العاملة.

ربما يلاحظ شخص آخر أن هذا التدبير سيترك مجالاً لعدم المساواة، وسيدّعي أن على القانون أن يعطي كل فرد – حتى هؤلاء الذين يسكنون القرى النائية – يعطيهم الترف، والأدب والفن.

وكل هذه العروض هي الطريقة الأمثل للشيوعية، ومن ثم يكون التشريع ساحة حربٍ لخيالاتِ وجشع الجميع – والواقع أنه كذلك مسبقاً.

أساس الحكومة الثابتة

القانون هو العدالة. يمكن في هذا الافتراض تصور واستيعاب حكومة ثابتة. وأتحدى أي شخص كان، كيف يمكن أن تظهر مجرد فكرة الثورة، أو التمرد أو العصيان ضد الحكومة التي هددت قوتها المنظمة لقمع الظلم فقط.

في ظل نظام كهذا ستحدث الرفاهية الكبرى – وستكون موزعة بتساوٍ مثالي. أما بخصوص المعاناة المقترنة بالإنسانية، فإن أحداً لن يفكر في إلقاء اللائمة على الحكومة فيما يتعلق بها. وهذا صحيح لأن قوة الحكومة، إذا ما حُددت لقمع الظلم فقط، حينها ستكون الحكومة بريئة من المعاناة والآلام كما هي الآن بريئة من تغير درجات الحرارة.

تمعنوا في هذا السؤال كدليل على ما تقدم. هل سبق وأن ثار الناس ضد محكمة المظالم، أو تظاهروا ضد قاضي الصلح (القاضي المدني) لأجل زيادة أجورهم، أو الحصول على قروض بلا فوائد، أو وسائل إنتاج أو تعريفات جمركية مناسبة، أو وظائف حكومية؟ يعلم الجميع بشكل تام أن مثل هذه القضايا لا تقع ضمن تشريعات محكمة المظالم أو قاضي الصلح. وإذا التزمت الحكومة بوظائفها الصحيحة، فسيعلم الجميع حالاً أن هذه القضايا لا تقع ضمن تشريعات القانون نفسه.

ولكن اجعل القوانين مبنية على مبدأ الإخوة – ازعم أن كل الخير وكل السوء ينبعان من القانون، وأن القانون مسؤولٌ عن كل مصائب الفرد وعن غياب المساواة – حينها سيكون الباب مفتوحاً إلى تتابع لا نهاية له من الشكاوى والهيجان والمشاكل والثورات.

العدالة تعني الحقوق المتساوية

القانون هو العدالة. وسيبدو غريباً حقاً لو أن القانون يمكن أن يكون أي شيء آخر. أليست العدالة حق؟ أليست الحقوق متساوية؟ بأي حق يجبرني القانون على الالتزام بخطط السيد ماميريل، أو السيد دي ميلون، أو السيد ثيرز، أو السيد لويس بلانك الاجتماعية؟ إن كان للقانون حق أخلاقي لفعل هذا، لماذا لا يقوم بإجبار هؤلاء الرجال للخضوع إلى خططي؟ أمن المنطقي الافتراض بأن الطبيعة لم تعطني خيالاً كافياً لأحلم أنا أيضاً بمدينة فاضلة (يوتوبيا)؟ هل على القانون أن يختار نزوة خيالية من بين العديد من تلك الخيالات الجامحة ويضع القوة المنظمة للحكومة في خدمتها فقط؟

القانون هو العدالة. ولنكف عن القول كما يقال باستمرار أن القانون في هذا المفهوم، سيكون مُلحداً، فردياً، وعديم الرحمة، وأنه سيجعل الجنس البشري على شاكلته. إن هذا الاستنتاج بليد، ولا يليق سوى بمقدسي الحكومة الذين يؤمنون بأن القانون هو البشرية.

هراء، هل يعتقد هؤلاء من الذين يقدسون الحكومة أن الناس سيكفون عن العمل؟ أيعني أننا إذا لم نتلق أي قوة من القانون فإننا سنبقى دون قوة أو نشاط أبداً؟ أيعني أن القانون إذا ما التزم بوظيفة حماية أو منع الاستخدام الحر لقدراتنا فإننا لن نستخدم قدراتنا بعد ذلك؟ افترض أن القانون لم يجبرنا على اتباع أشكال معينة من الدين، أو نظم اتحادية معينة، أو طرق للتعليم، أو ضوابط للعمل، أو ضوابط للتجارة، أو خطط للإحسان، أيعني ذلك أننا سنغرق في الإلحاد والتقشف والجهل، والبؤس والجشع؟ إن كنا أحراراً، أيعني ذلك أننا لن ندرك بعد الآن قوة رحمة الله؟ أيعني ذلك أننا لن نتحد مع بعضنا البعض، ولن يساعد أحدنا الآخر، ولن نحب ونسعف أخوتنا المنكوبين، ولن ندرس أسرار الطبيعة، ولن نسعَ إلى تطوير أنفسنا إلى أفضل قدراتنا.

الطريق إلى الكرامة والتطوير

القانون هو العدالة. وفي ظل قانون العدالة – في ظل حكم الحق، تحت تأثير الأمن والاستقرار والمسؤولية – يحصل كل فردٍ على قيمة وجوده الحقيقية. وتحت ظل قانون العدالة هذا فقط تحقق البشرية، ببطء ولكن بثبات، دون شك، تحقق ما خططه الله للتطور السلمي والمنظم للإنسانية.

يبدو لي أن هذا صحيحٌ نظرياً، لأنني في أي قضية للنقاش – سواء أكانت دينية، فلسفية، أو اقتصادية، سواء كانت متعلقة بالازدهار أو الأخلاق، أو المساواة، أو الحق، أو العدالة، أو المسؤولية، أو التعاون، أو الملكية، أو العمل، أو التجارة، أو رؤوس الأموال، أو الأجور، أو الضرائب، أو السكان، أو المال، أو الحكومة – وفي أي نقطة أبدأ فيها أبحاثي في الأفق العلمي، في كل هذه المجالات، أصل دائماً إلى استنتاج واحد، ألا وهو: يمكن أن نجد حل مشكلات العلاقات الإنسانية في الحرية.

برهانٌ لفكرة

ألم تبرهن التجربة ذلك؟ أنظر إلى العالم بأسره. أي البلدان تضم الشعب الأكثر سلاماً، الأكثر أخلاقاً، والأسعد؟ تتواجد هذه الشعوب في البلدان التي قلما يتدخل قانونها بالشؤون الخاصة، في البلدان التي قلما تشعر فيها بالحكومة، والتي يتمتع فيها الفرد بالمجال الأوسع، والرأي الحر والتأثير الأكبر، في البلدان ذات القوى الإدارية الأقل والأسهل، في البلدان ذات الضرائب الأدنى والأكثر إنصافا ومساواة، والتي قلما يثار فيها السخط الشعبي وقلما يُبَرَّر، في البلدان التي يتولى فيها الأفراد والمجاميع مسؤولياتهم بكل نشاط، وبالتالي تتطور فيها باستمرار أخلاق البشر من ذوي الأخلاق غير الكاملة، البلدان التي قلما تتقيد فيها التجارة، وحرية التجمعات الاتحادات، والتي قلما يعاني فيها العمل ورأس المال، والسكان من الانزياحات والتحولات، والتي يتبع فيها البشر ميولهم الطبيعية، والتي تكون فيها اختراعات البشر متناغمة مع قوانين الله، وباختصار، أن الشعب الأسعد والأكثر أخلاقاً وسلاماً هو الشعب الذي يتبع هذا المبدأ: على الرغم من أن البشر ليسوا كاملين، مع ذلك، فالأمل كل الأمل يعتمد على الأفعال الحرة والطوعية للأشخاص ضمن حدود الحق، القانون أو القوة لا يستخدمان لشيء سوى إدارة العدالة الشاملة.

الرغبة في حكم الغير

لا بد من قول هذا: هناك العديد من الرجال ”العظماء“ في العالم – المُشرّعون، المنظمون، المصلحون، قادة الشعوب، آباء الأمم، الخ، الخ. العديد من الناس وضعوا أنفسهم فوق البشر، وجعلوا عملهم هو تنظيم، ورعاية وحُكم البشر.

الآن سيقول احدهم: ”أنت بنفسك تقوم بهذا الشيء.“

صحيح. ولكن يجب الاعتراف بأنني أعمل بشكل مختلف تماماً، وإذا ما التحقت بفئة المصلحين، فذلك فقط لغرض إقناعهم بأن يتركوا الناس وشـأنهم. أنا لا أنظر إلى الناس كما ينظر فانكوسن إلى رجله الآلي. بل أنظر إلى الناس وأقبلهم كما هم مثلما ينظر عالم الفيسيولوجيا إلى جسم الإنسان ويقبله كما هو. أريد فقط أن أدرس وأن أحب.

إن موقفي إزاء كل الأشخاص الآخرين يتضح جلياً في هذه القصة من مسافر شهير وصل يوماً إلى وسط قبيلة متوحشة، ولد فيها طفل للتو. أحاط به حشد من المنجمين والعرافين والسحرة المسلحين بالخواتم والكتب والحبال. قال احدهم: ”لن يشم هذا الطفل رائحة الهواء ما لم أوسّع منخريه.“ قال آخر: ”لن يستطع السمع ما لم أجر أذنيه إلى كتفيه.“ قال ثالث: ”لن يرى ضوء الشمس ما لم أُمَيِـّل عينيه.“ قال آخر: ”لن يستطع الوقوف منتصباً ما لم أحن ساقيه.“ وقال خامس: ”سوف لن يتعلم التفكير مطلقاً ما لم أسطح جمجمته“. ”قفوا،“ صاح المسافر، ”ما فعله الله قد أحسن فعله. لا تزعموا أنكم تعلمون أكثر من الله. لقد أعطى الله الأعضاء لهذا المخلوق الضعيف، اتركوها لتتطور وتنمو بالتمرين، والاستخدام، والتجربة، والحرية.“

دعونا ألان نجرب الحرية

لقد أعطى الله للناس كل ما هو ضروري لهم لإتمام أقدارهم. فقد أعطاهم شكلاً اجتماعياً وكذلك شكلاً إنسانيا. وهذه الأعضاء الاجتماعية للبشر مصممة بحيث تستطيع أن تطور نفسها بشكل متسق في هواء الحرية النظيف. إذن، فليغرب المشعوذون والمنظمون! فلتغرب خواتمهم وسلاسلهم وملاقطهم وكلاليبهم! فلتغرب أنظمتهم المزيفة! فلتغرب نزوات وأهواء المدراء الحكوميين، ومشاريعهم الاجتماعية، ومركزيتهم، وتعريفاتهم، ومدارسهم الحكومية، ودين دولتهم، وقروضهم المعفاة من الفوائد، واحتكاراتهم المصرفية، وتدابيرهم، وقيودهم، ومساواتهم بالضرائب، ووعظهم المفعم بالتقوى!

الآن، وقد قام المُشرّعون والمصلحون بلا جدوى بفرض العديد من الأنظمة على المجتمع، فلينتهوا حيث ابتدؤوا: فليتركوا جميع الأنظمة وليجربوا الحرية، لأن الحرية اعتراف بالإيمان بالله وبأعمال الله.

الكتاب والمؤلف

عندما يرغب الشخص الذي يستعرض الكتب أن يعطي تمييزاً خاصاً لكتاب، يتوقع أن هذا الكتاب سيظل مقروءاً لمئة عام من الآن وكتاب القانون، الذي نُشر بشكل نشرة في حزيران عام 1850 قد جاوز المئة عام منذ زمن طويل. ولأن حقائقه أزلية، سوف يبقى مقروءاً حتى بعد مرور قرنٍ آخر.

كان فريدريك باستيا (1801-1850) اقتصادياً ورجل دولةٍ وكاتباً فرنسياً. وكتب أغلب مؤلفاته في السنوات التي سبقت والتي تلت ثورة شباط عام 1848. وكانت تلك هي الفترة التي انتقلت فيها فرنسا إلى الاشتراكية التامة. وكنائبٍ للمجلس التشريعي، كان باستيا يدرس ويفسر كل مغالطةٍ أو عيب اشتراكي بمجرد ظهوره. وشرح كيف أن الاشتراكية لابد من أن تنحدر إلى شيوعية. إلا أن معظم أبناء وطنه أهملوا منطقه هذا.

الآن نقدم كتاب القانون مرة أخرى لأن الموقف الذي حصل في فرنسا عام 1848 تكرر في أمريكا اليوم. نفس الأفكار والخطط الاشتراكية - الشيوعية التي تم تبنيها في فرنسا آنذاك، تزحف الآن في أمريكا. وتلك التفسيرات والجدالات التي قدمها السيد باستيا في ذلك الحين، تنطبق تماماً – حكمةً حكمة– على يومنا هذا. تستحق أفكاره استماعاً جدياً.

© معهد كيتو – مصباح الحرية، 2005، جميع الحقوق محفوظة

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية