كيف يساهم فعل النمذجة في تقدم المعرفة العلمية؟‏

 

عن العرب أونلاين



زهير الخويلدي

‏" لقد جعل العلم منا آلهة قبل أن نكون جديرين بإنسانيتنا" ‏
‏ جون روستان‏
استهلال:‏
إذا نظرنا إلى الشأن الإنساني من زاوية أنثروبولوجية فلسفية محضة نصطدم بتناقضات جمة وصعوبات ‏شتى أبرزها التناقض بين الكلي والجزئي حيث لا تتحقق الانية إلا بالغاء الغيرية وحيث تتحول الأنظمة ‏الرمزية من وسائط اتصالية إلى عوائق تواصلية وحيث يتعارض مطلب الارتقاء إلى الكونية مع كل ‏اعتراف بالخصوصية في ظل واقع يشهد تشظي الهويات وهيمنة ثقافة استهلاكية واحدة تنتصر لعولمة ‏اختراقية كليانية. أما إذا غيرنا موقفنا النظري واعتمدنا مقاربة علمية عرفانية ‏Cognitive‏ في تدبر ‏أمر الإنساني فإننا نفتتح عهدا جديا في عالم المعرفة وندشن رؤية مختلفة للكون خاصة إذا ما كانت ‏مقاربتنا الابستيمولوجية مطعمة بالفنومينولوجيا وعلى غير عادة الوضعيين والوثوقيين من العلمويين ‏لاسيما وأنها مقاربة تنتهج أسلوب التنوع والتعدد وتتحمل ما في النتائج من طابع تقريبي وما في ‏التصورات من بعد افتراضي وما في الأحكام من عزم بنائي وما في القرارات من توجه تخييلي. ‏
إنها مقاربة النمذجة ‏Modèlisation‏ تبحث عن المعنى أكثر من بحثها عن الحقيقة وتعتمد أسلوب ‏التأويل أكثر من اعتمادها على أسلوب التفسير وتولي العناية القصوى لمنطق الاستكشاف والاختراع ‏أكثر من منطق الحجة والبرهان وتنظر إلى رسالة العلم من جهة المتعدد والتنوع ولامتناهي التعقيد ‏ولامتناهي الصغر ولامتناهي الكبر أكثر من جهة الوحدة والتطابق والجوهر والماهية . ‏
ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو بروز اتجاه جديد داخل التمشي الابستيمولوجي المعاصر اصطلح عليه ‏بفنومينولوجيا العلم يطمح إلى تجاوز هذه التناقضات والرد على جملة من التحديات التي تواجهها ‏المعرفة العلمية اليوم ويسعى الى تقريب معظم الاختراعات والاكتشافات المعقدة والمجردة من أفهام ‏الأوساط الاجتماعية عبر وسائط بيداغوجية ناجعة.‏
لكن ماهي مبررات استناد العقلانية العلمية المعاصرة على النمذجة؟
‏-‏ الدوافع النفعية المتعلقة بحضارة المشهد وبالتصنيع وتفجر الثورة الرقمية والدخول إلى العصر ‏التكنولوجي للعقل.‏
‏-‏ أزمة الأسس التي عرفها العلم في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وانهيار ‏الصرح القديم أمام قصوره النظري والتجريبي وحاجة العقلانية العلمية إلى أن تجدد شبابها.‏
‏-‏ التطور الكبير الذي شهدته المعرفة ونشأة علوم جديدة كعلوم الذكاء الاصطناعي والسبيرنيطيقا ‏والميديولوجيا والإعلامية.‏
‏-‏ الوعي بطبيعة الظواهر الطبيعية على أنها لامتناهية التعقيد بحيث يصعب إيجاد مرجعية واحدة ‏وقانون كلي يمكن أن يوحد الكثرة والتعدد التي تتميز به العقلانية العلمية اليوم.‏
لعل نظرية النمذجة تأتي لسد هذه الثغرات ولتكون واحدة من بين الوسائط والمقاربات الفنومينولوجية ‏الابستيمولجية التي نهضت في النصف الثاني من القرن العشرين لتعبر عن الحاجة إلى العلوم الصناعية ‏الإنشائية ‏Poétique‏ كعنصر توليفي بين العلوم النظرية التأملية الصورية والعلوم التطبيقية العملية ‏العينية ولتبين بشكل واضح دخول المعرفة العلمية أفق العصر التكنولوجي للعقل وحدوث تقدم هائل ‏وفيض معرفي كبير نتيجة هذه الثورة الرقمية.‏
‏ زد على ذلك ، اذا كان العلم يشهد بروز مثل هذا الكم الهائل من التخصصات وتشكل قطاعات دقيقة ‏وتكاثر في المناهج وتعدد في المقاربات وإذا كانت المعرفة العلمية قد باتت متداخلة أكثر من أي وقت ‏مضى مع أنماط الخطاب الأخرى الأدبية والسردية والخيالية والمجازية والفنية ويجد معظم المؤرخين ‏عسرا في فرزها وتمييزها لوضع رسوما وحدودا وتعريفات حولها فإن نظرية النمذجة كتمشي منهجي ‏مشترك بين مختلف الحقول وكتضافر لاختصاصات عدة ربما تكون بشارة الأمل من أجل الرد على هذه ‏التحديات وتنتج منطقا جديدا في الكشف يدعم النسق السريع في النمو والتقدم ويساعد العقل العلمي على ‏الترشيد والتحكم والاستيعاب للمعارف التي ينتجها.‏
آيتنا في ذلك ما كان قد كتبه تنودجي: " تنعت النماذج بكونها فنومينولوجية...وهي بهذا المعنى تقوم ‏بدور انتقالي وأعتبرها بمثابة الوسائط الاستكشافية..."‏
لكن اذا ربطنا بين الحاضر الابستيمولوجي للعلم وفنومينولوجيا النمذجة فانه هناك عدة احراجات تطرح ‏وجملة من المفارقات ستظهر يمكن أن نذكر منها ما يلي: ماهي المرتكزات التي تبرر قولنا بأن النمذجة ‏هي قول فنومنولوجي في الابستيمولوجيا؟ ثم ما المقصود بالنمذجة؟ وما الفرق بينها والنموذج؟ ثم كيف ‏ينشأ النوموذج؟ وماهو أصل معناه؟ وماهي وظائفه وصلاحيات استعماله؟ وماهي علاقاته بالواقع ‏وبالنظرية؟ ماذا ننمذج؟ وكيف ننمذج؟ ولماذا ننمذج؟ وهل يتعلق الأمر بعدة نماذج أم بنموذج واحد؟ ‏وكيف السبيل للوصول إلى نموذج النموذج؟‏
لكن كيف حدث الانتقال من نمذجة تحليلية ‏Analytiqueميكانيكية إلى نمذجة نسقية منظومية ‏بنائيةSystémique ‎؟ وهل النمذجة مجرد تنظيم نسقي للمعارف السابقة أم أنها تجديد ثوري لمختلف ‏فروع المعرفة العلمية؟ هل هي نظرية علمية قائمة الذات بشكل مستقل عن النظريات الأخرى أم أنها ‏مقدمة للدخول إلى كل تخصص علمي؟ هل هي مجرد اجراء منهجي موضوعي ومحايد أم أنها تبرز ‏الدور الفاعل للذات؟
ثم ماهي قيمة النمذجة؟ وماهي مستوياتها وأبعادها؟ وكيف تفرعت إلى ماهو تركيبيSyntaxique‏ ‏ودلاليSemantique‏ وتداولي‏Pragmatique؟ وماهي العلاقة بين هذه الأبعاد الثلاثة؟ هل ‏يشتغل كل بعد لوحده أم أنه مترابط مع البعدين الآخرين؟ هل تنشد النمذجة الحقيقة أم تحاول الظفر ‏بالمعنى؟ هل تتوخى أسلوب التفسير والتوضيح أم تبحث عن الفهم والتأويل؟ ثم ماهي علاقة النمذجة ‏بالبنية والمنظومة والنسق ؟ كيف يساهم فعل النمذجة في تقدم المعرفة العلمية؟ وكيف تحل معضلة ‏الكثرة والوحدة؟ وهل تلزمنا بتغيير رؤيتنا للطبيعة والكون أم أنها تقوم بإعادة هيكلة بنية المعرفة العلمية ‏ذاتها؟ ثم يا ترى ماهي حدود النمذجة من الناحية الفلسفية والابستيمولوجية ومن جهة العقل والواقع ‏والحقيقة؟ أليست النمذجة إسقاط لمبادئ أنطولوجية ثابتة وثاوية على أرضية العقلانية العلمية المفتوحة ‏والمتحركة؟ ألا تجعل النمذجة العلم أسير المناهج الفنومنولوجية والتأويلية الفلسفية؟ ألا تنصب السياسة ‏والاقتصاد والايديولوجيا أوصياء على الممارسة الاختراعية الاستكشافية للعلم؟
من هذا المنطلق تواجه دعوانا بأن النمذجة هي فنومينولوجيا الابستيمولوجيا العلمية عدة عقبات أهمها:‏
‏-‏ ظهور توتر يخترق المعرفة العلمية من الداخل في زمن النمذجة: فهي من ناحية تسعى إلى تمثيل ‏الظواهر الطبيعية بلغة خبرية وعن طريق معطيات التجربة الملموسة بغية الوصول إلى معرفة ‏نظرية خالصة من ناحية ولكنها من ناحية مقابلة تعمد إلى تصميم هذه النظرية بالاعتماد على ‏أنظمة رمزية وآليات التجريد الإنشائي بغية الوصول إلى نجاعة في التحكم وصلاحية في التأويل ‏‏.‏
‏-‏ النمذجة هي وصف لوقائع عبر النقل والقراءة عبر إستراتيجية الإهمال والانتقاء والتخصيص ‏والاستبعاد والتكبير والتصغير من ناحية ولكنها من ناحية أخرى إعادة وصف وإعادة إنتاج ‏واختراع على نحو جديد عبر إتباع إستراتيجية التوقع والاستشراف.‏
‏-‏ يلتزم النموذج ‏Modèleمن جهة بأن ينشد المرجع خارجي وينطلق من الواقع المعطى ولكنه ‏ما يلبث أن يسعى وفق مواضعة تتصف بالتعدد والنسبية إلى بناء واقع افتراضي جديد من جهة ‏مقابلة.‏
‏-‏ يمكن أن يكون النموذج كتابة مجردة وتصميم عياني يعاد من خلال إنتاج خصائص شيء معين ‏ولكن هذا العمل الإنشائي هو مراقب بواسطة التفكير المنطقي والرياضي في الشيء المحسوس ‏التجريبي الذي لا تقدم دراسته المباشرة سوى علاقات تقريبية.‏
إن أحسن المعاول النظرية الممكنة لتخطي هذه العقبات هو إتباع المسالك المنهجية التالية:‏
‏-‏ تحديد دلالة النموذج وعلاقته بفعل النمذجة أولا‎.‎
‏-‏ بعد ذلك التطرق إلى مستويات وأبعاد النمذجة‎.‎
‏-‏ ثم الاهتمام بالقيمة والوظائف والصلاحيات التي تؤديها النمذجة.‏
‏-‏ أخيرا رسم حدود للنمذجة والتأكيد على الطابع التاريخي للمعرفة العلمية.‏
إن هدفنا من وراء مقاربة ابستيمولوجيا النمذجة من زاوية الفنومينولوجيا هو تجاوز التشتت وحالة ‏الانقسام والتشظي البادية على كل القطاعات المعرفية والعمل على أكسمة وتنظيم مختلف التخصصات ‏في إطار تصور توحيدي مشترك يبقي على فرادتها واستقلاليتها ويحترم ما فيها من خصوصية ويحرص ‏على إدراك وحدتها الديناميكية من أجل السيطرة عليها والتحكم في آلياتها ودفعها إلى المزيد من التقدم.‏
‏1"‏ من النموذج إلى فعل النمذجة: دلالات وتحديدات:‏
‏" لقد ولى زمان إنتاج معرفة علمية ذات طوابق قاعدتها صلبة" موران
اعتقد العلماء الكلاسيكيون أن الإدراك عملية تسجيل لكل المعطيات الحسية التي ترد على العقل من عالم ‏التجربة وأن العقل نفسه قادر على تحقيق هذه العملية على أحسن وجه وترتيب عناصرها وتنظيم أولياتها ‏واستنتاج القوانين المهيكلة لمادتها، زد على ذلك أنهم تصوروا الواقع الطبيعي على أنه شبكة من ‏العلاقات الثابتة التي تحكمها مبادئ كلية ويمكن ردها إلى عناصر أولية وتفسيرها بالاعتماد على ‏معادلات رياضية وأطر منطقية، بيد أن التحولات العلمية الكبرى التي حدثت في الآونة الأخيرة بينت ‏بالكاشف خطأ هذه الأقاويل وزيف مثل هذه الاعتقادات خاصة لما أظهرت أن العقل أداة محدودة وأن ‏قدرته على الإبداع والفعالية مرتبطة بتوفر مجموعة من الشروط وهو نفسه خاضع لتاريخية المعارف ‏التي ينتجها بحيث يعاد هيكلة بنيته بعد كل معلومة جديدة تنبثق منه، كما أن الواقع الطبيعي توضح أنه ‏لامتناهي التعقيد ولامتناهي الكبر ولامتناهي الصغر ومليء بالألغاز والأسرار، أضف إلى ذلك أن عملية ‏الإدراك تصبح عملية انتقال وبلورة وصياغة وهو ما يعني استحالة الوصول إلى معرفة الحقيقة المطلقة ‏وكذلك التشكيك في إمكانية اكتشاف القوانين الثابتة وراء الظواهر. ولكي يرد العلم على هذه التحديات ‏بات من اللازم عليه أن يغير آليات عمله ويجدد شبابه ويطور أساليب اشتغاله والتي نذكر من بينها إنتاج ‏للنماذج قصد استخدامها لتحقيق المواءمة والتكيف بين العقل العلمي والنظام الواقعي الطبيعي وقصد ‏تمكين الإنسان من تجاوز الرصد التوثيقي المباشر والتعالي على وجوده المادي والحيلولة دون تأثر ‏جهازه العصبي بالمعطى المباشر، لكن كيف تعرف النمذجة؟ و ما الحاجة إلى النمذجة في عصر التقنية؟‏
‏" النمذجة هي فعل بلورة وبناء قصدي بواسطة تجميع رموز ونماذج مصطنعة قابلة بأن تجعل ظاهرة ‏تبدو معقدة مفهومة، وتوسع من استدلال الفاعل المشرع للمتدخل إراديا في حضن الظاهرة، وهو ‏استدلال يرنو بالتحديد إلى توقع التبعات الممكنة من مشاريع الفعل هذه..." ‏
النمذجة هي تصور النموذج وهو لفظ استعمل في عدة مجالات:‏
‏-‏ تسمح النمذجة في الرياضيات التطبيقية وعند ممارستها في الكيمياء والفيزياء أو علوم الحياة ‏والأرض بتحليل ظواهر واقعية وتوقع النتائج من خلال تطبيق نظرية واحدة أو مجموعة من ‏النظريات في مستوى من التقريب المعطى.‏
‏-‏ النمذجة في الهندسة هي حالة خاصة من الفعل الذي يتمثل في إنتاج صور من الموضوع ‏الواقعي.‏
‏-‏ نتحدث في علوم الإعلامية عن نمذجة المعطيات لكي نشير إلى مرحلة من إنشاء نسق من ‏المعلومة.‏
‏-‏ أما نمذجة اختصاص علمي معين في البيداغوجيا فيدل على تمثيل مبسط لمواد التعليم بشكل أو ‏بآخر مجرد من أجل تسهيل عملية التقبل عند المتعلمين,‏
أما اللفظ نموذج فإنه يؤلف بين معنيين متناظرين ومتعارضين مع تصور التشابه وهما المحاكاة ‏والتمثيل. والحق أنه استعمل:‏
‏-‏ من أجل مفهوم أو موضوع لتمثل شيء آخر " النموذج الاختزالي أو التصميم، النموذج ‏العلمي" ينبغي بناءه أو موجود سلفا.‏
‏-‏ من أجل موضوع واقعي والذي يحتاج إلى أن نعطيه تمثيلا وأن نبحث عن محاكاته" مثل ‏نموذج الرسم والنموذج الذي يصنعه الأستاذ للتلميذ". ‏
إن المعنى الأول هو معنى أصلي والمعنى الثاني مشتق من تطبيق المعماريين والمهندسين وبعد ذلك ‏العلماء ويتمثل في بناء أنماط مثالية أولا عيانية أو متصورة والتي تصلح لكي تكون نموذجا لبناء ‏واقعي: ان النموذج يصبح إذن تجميعا لمفاهيم تمثل شيئا واقعيا موجود سلفا " موضوع ، ظاهرة" ‏بشكل مبسط من أجل فهمه وتوقع تصرفه في المستقبل.‏
إن النمذجة هي اختصاص له قواعده ومتكيف مع المجال المدروس بحيث يجسم تمشي النمذجة المبدأ ‏الديكارتي لأن الأمر يتعلق في الآن نفسه بتبسيط العمل بإسقاط التفاصيل الصعبة من الحساب التي يقع ‏إعادة إنتاجها والحصول على نتيجة خالصة من الشوائب وذلك بالتركيز على الخصائص الهامة ‏وحدها. ‏
‏-‏ النموذج يمثل الواقع ولكنه لا يبني هذا الواقع، وكما يقال:"إن الخريطة ليست الأرضية" ‏‎" la carte n\'est pas le territoire " ‎‏. ‏
‏-‏ النموذج ليس ولن يكن نسخة مشابهة تشابها تاما بل يرنو إلى تشابه كاف يتعلق بالاستعمال ‏المطلوب " النحات والطبيب لا يستعملان النموذج نفسه الذي يمثل الجسم الإنساني".‏
‏-‏ نوعية النموذج ترتبط بالتقنيات المستعملة في عملية إنتاجه وتصرفه يتطابق بشكل أو بآخر مع ‏تصرف الواقع في شاطئ معين من الصلاحية والتشابه هو في بعض الحالات قابل للتكميم. ‏
ماهو جلي للعيان وما لا يحتاج إلى برهان أن النمذجة حملت اليوم إلى العلم الكثير من الأشياء الهامة ‏منها المعارف والمناهج والتطبيقات والاختراعات نظرا لما تتميز به من مرونة في التعامل مع الظواهر ‏ومن طابع إجرائي ومن قدرة على التنظيم والتوضيح في إطار من النجاعة التقنية والبراعة الاختزالية، ‏لاسيما وأنها لا تكتفي بوصف الوقائع وصفا موضوعيا ولا بمجرد قراءة للأحداث خالية من كل ‏انطباعات شخصية ومحايدة من كل ذاتية بل تعيد وصف هذه الظواهر وتذهب إلى حد بناء واقع ‏افتراضي جديد بالاعتماد على قدرة تخيلية عجيبة يتسلح بها العقل العلمي. إن النمذجة مشتقة من الجذر ‏اليوناني مودي لوس والذي يفيد التصميم المصغر والمبسط والسهل الاستعمال، أما المعنى الاصطلاحي ‏فهي تمشي منهجي ينتهج إزاء معطيات الواقع أساليب الإحاطة بكلية الموضوع المدروس والاهتمام بكل ‏عناصره ويعتمد إستراتيجية الإهمال وإسقاط بعض الجزئيات والاختزال والانتقاء والتخصيص على ‏نوعية من معطيات الواقع دون غيره "مثال تصميم الخرائط هو نوع من أنواع إنشاء النماذج...".‏
تحيل النمذجة إلى ثلاث محاور كبرى منها:‏
‏- ماهو صوري أكسيومي مجرد ينتمي إلى البنية والمنظومة والنسق والنظرية ويدور في الرياضيات ‏والمنطق,‏
‏- ماهو محسوس وعياني وينتمي إلى عالم التجربة والواقع ويكون بمثابة تصميمات ورسوم مجسمة.‏
‏- ماهو ناجع ووظيفي وينتمي إلى دائرة الصناعي والوظيفي من الآلات والتقنيات الصالحة للاستعمال.‏
‏" لفظ النمذجة وقع تعريفه على النحو التالي: بناء فكري لنموذج رياضي أي لشبكة من معادلة موجهة ‏نحو وصف الواقع..."‏
كما تقدم النمذجة تفسير لتاريخ العلوم لا يقوم على الانفصال التام والقطيعة الجذرية والثورة الحاسمة بين ‏ماضي العلم وحاضره كما نظر إلى ذلك غاستون باشلار ولا على التواصل الكلي والاستمرارية الفعلية ‏كما تصور ذلك بيار دوهام بل على نظرة معقدة تجعل النقلة النوعية رهينة حصول تراكم كمي كبير بما ‏أن الفرق بين نموذج قديم ونموذج جديد هو في نجاعة التمثيل للظواهر كما بين ذلك هيزنبرغ في الجزء ‏والكل : محاورات في مضمار الفيزياء الذرية بقوله:"إنني أعترف أن هناك درجة اختلاف معينة ولكنني ‏لا أرى اختلافا جوهريا...إنني في الواقع لا أستطيع التسليم بأن نيوتن قد قدم شيئا أساسيا أفضل من ‏بطليموس لقد أعطى فقط تمثيلا رياضيا آخر للكواكب وقد أثبت على مر القرون أن هذا التمثيل هو ‏الأكثر نجاحا..."‏ ‏ عندئذ يكون التقدم في العلم من التمثيل غير الناجح للوقائع إلى التمثيل الناجح.‏
النمذجة هي التمشي المنهجي الذي يفضي إلى إنتاج النماذج بعبارة أخرى إنها ليست سوى منهج إجرائي ‏له غايات عملية ينطلق من مسلمة تقر بعدم إمكان إنتاج معرفة كاملة بل يكتفي فقط بإيجاد تمثلات عن ‏الواقع لا يمكن أن نقول عنها أنها صادقة أو كاذبة بل هي فقط تمثلات ناجعة للفعل المستقبلي نظرا لما ‏تحققه من توقعات ايجابية. في هذا السياق يقول ليماوانيه:" النمذجة "التصميم" طريقة ممتازة لا تقتصر ‏على إبراز منجزات الطبيعة لكنها تنتج عددا لامحدودا ومتنوعا من الأعمال تتجاوز الطبيعة..."‏
‏"بلا ريب أن النمذجة هي أهم وأول وسيلة من الوسائل التي نوفرها من أجل دراسة تصرف الأنساق ‏الكبرى المتعقدة‎ complexes ‎‏..."‏
هذا يدل على أن العلوم المستحدثة في المنتصف الثاني من القرن العشرين مثل السيبرنيتيقا والتنظيم ‏والاتصال والقرار والإعلامية تفترض توجها ابستيمولوجيا مغايرا ينأى بنفسه عن التفسيرات الوضعية ‏التي قبرت نفسها داخل نمذجة تحليلية ميكانيكية بينما العلوم الناشئة لا تتحد بموضوعها الذي يمكن ‏ملاحظته وضعيا ولكن بمشاريعها ولا تنظر إلى المعرفة باعتبارها انكشاف مواضيع طبيعية معينة بل ‏باعتبارها مواضيع مخترعة حيث يتم تكوين الظواهر اصطناعيا وبطريقة حرة عن طريق ملكة التخيل ‏لدى الباحث.‏‎ ‎ما يترتب عن إدخال النمذجة إلى العلم هو أن أهمية المعرفة العلمية أصبحت تقاس بالمنفعة ‏التي تحققها للإنسان أي بالنتائج العلمية لأن نظرية نافعة هي نظرية تمكننا من إنتاج تقنية تفيدنا في ‏الحياة العملية.‏
‏ في هذا السياق يقول باسكال:"العلماء يميزون بوضوح بين فعل النمذجة الذي ينتمي بوجه من الوجوه ‏إلى التخيل وبين فعل التنظير الذي يصاحبه إيمان جدي بحقيقة القضايا التي تكون الخطاب النظري..."‏
‏ من هذا المنطلق تتجاوز العقلانية المعاصرة النمذجة التحليلية التي تتوخى أسلوبا ميكانيكا وتؤمن ‏بالقوانين الثابتة لتشرع لنمذجة منظومية نسقية لا تنظر إلى صلاحية القضايا بالانطلاق من مبادئ ‏وضعية بل تعتمد على البنائية كبديل علمي محترم وكأفق ممكن لتجاوز صعوبات العلوم الوضعية في ‏تفسير المعقد العلمي المعاصر الذي يشبه الأرخبيل حيث تمثل علوم الهندسة جزيرته الرئيسية. ‏
ينقد بيار دوهام عن ضرورة النمذجة التحليلية بتحذيره من الوقوع في الخلط في استعمال النماذج ‏الميكانيكية المماثلة المجردة والنماذج الميكانيكية المصورنة بقوله:" حينما استنجد بالنماذج الميكانيكية ‏فانه يقع الاقتصار على عرض نتائج سبق أن توصل إليها ولم تكن بصدد الابتكار"‏ ‏.‏
‏ النمذجة هي إذن مبدأ تقنية تمكن الباحث من بناء نموذج لظاهرة أو سلوك عبر إحصاء المتغيرات أو ‏العوامل المفسرة لكل واحدة منها، إنها محاولة لفهم الأنساق المعقدة عن طريق خلق نموذج يظهر في ‏شكل بنية صورية تعيد بناء الواقع العيني بناء افتراضيا.‏
هذه هي بعض التوصيفات الأولية للنمذجة ، فماذا عن النموذج؟‏
لقد اكتسب مفهوم النموذج حمولة منهجية واسعة الدلالة تنطبق على كل الأساليب والحقول والانتاجات ‏التي لها علاقة بالمعرفة، كما مثل النقطة الحاسمة في الأبحاث الجوهرية للفلسفة المعاصرة وخاصة ‏القسم الابستيمولوجي النقدي من فلسفة الطبيعة الذي يعتمد مقاربة رياضية تهتم بالظواهر الفيزيائية ‏والمورفولوجية والبنيوية. لكن يصعب علينا أن نفسر ما يعنيه النموذج العلمي لأننا نجد أنفسنا في ‏مواجهة وضعية تقدم شيئا مباغتا بالنسبة إلى كل متقبل للمعرفة العلمية وتتخلص من كل مماثلة وعادة ‏وتكرار وكل تبرير أو كسل عقلي وتتمتع بالديناميكية والإبداعية والتكيف والتجدد.‏
إن النمذجة هي فعل إنتاج النماذج وهي عملية تبسيط للمعقد بجعله أيسر للوصف والتأويل والنموذج هو ‏تعقل رائع للظواهر وقد "ظل النموذج على الدوام الصورة التقريبية أو الدقيقة مبسطا ومختزلا لواقع ‏فيزيائي أو بيولوجي أو اجتماعي... ويصلح النموذج في الحالة الأولى" الهندسة اللااقليدية" للتحكم نظريا ‏في واقع معطى وفي الثانية " الهندسة الاقليدية" يصلح لمليء بنية نظرية بمحتوى أكثر عيانا..."‏
النموذج هو الذي يتيح تمثل شيئا ما في نظرية أو نظرية في شيء ما أو نظرية ما في نظرية أخرى أو ‏بتعبير رونيه توم تماثل بين ظاهرة ‏X‏ وموضوع مهيكل‏M‏ يسمح عن الإجابة عن مشكل مطروح حول ‏الظاهرةX‏. عندئذ يكون النموذج التمثل الذهني لشيء ما ولكيفية اشتغاله لأنه عندما نضع شيئا ما في ‏نموذج نستطيع أن نقلد اصطناعيا تصرف هذا الشيء وبالتالي نتوقع حركته في المستقبل ونستعد لردود ‏أفعاله. ‏
هذا ما نجده في الحد الذي وضعه دوران:" يشمل معنى النموذج في دلالته الأكثر اتساعا كل تمثل لنسق ‏واقعي مهما كان شكل هذا التمثل"، وكذلك عند فاليزار في قوله:"يعرف النموذج بماهو كل تمثل لنسق ‏واقعي سواء كان ذهنيا أو ماديا يتم التعبير عنه بلغة أدبية أو في شكل رسوم بيانية أو رموز رياضية." ‏
إن النموذج لا يستوفي حقه في مستوى التحديد ما لم نأخذ بعين الاعتبار إمكان أن يكون بنية مفهومية من ‏القيم والعلاقات والخصائص يحيل دوما إلى مرجع أو شيء أو وظيفة، لاسيما وأنه "وسيط نفوض له ‏وظيفة المعرفة" كما تقول سوزان باشلار. ‏
الأصل الاشتقاقي اللاتيني للكلمة هو ‏Modulus‏ ويعني القالب وهو رسم مجرد أو مجسم يهدف إلى ‏تسهيل فهم شيء معين وبالتالي يكون الهدف من النموذج إظهار ملمح الشيء للعيان وكيف يشتغل.‏
‏ والحق أن مفهوم النموذج كما هو الشأن عند فاليزار لا ينفصل عن مفهوم النسق بشرط أن ننظر إلى ‏النسق كتصور لا كواقع خاصة وأن "كل نسق واقعي لا يحدد إلا بالعودة إلى نماذج تصورية وعلى ‏خلاف ذلك يمكن اعتبار كل نموذج هو نسق خصوصي مهما كانت طبيعته فيزيائية أو مجردة".‏
علاوة على ذلك يمكن أن يحيل النموذج على معنى محاكاة معطى متعين وعلى معنى المجاز الذي يعد ‏تعبيرا عن محتوى واقعي، ويشكل نقطة اقتران النشاط العلمي بالنشاط التقني طالما أن دلالة معنى ‏النموذج لها أصل تكنولوجي ويفيد الرسم الهندسي أو الموضوع المختزل في مثال مصغر أو في شكل ‏تبسيطي والذي ينتج الموضوع ويعبر عنه وطالما أن أيضا "التقنية هي مصدر لا يقل ثراء عن العلم في ‏مستوى اعتبار النماذج أمثلة...إنها نماذج نبنيها ونتناولها رقميا لنحسب نتائج"‏ ‏.‏
‏" يتمثل النشاط التقني في تحويل معلومات متحققة في شكل تمثلات ذهنية "في صيغة مخططات أو ‏رسوم لإجراءات أو قواعد إجرائية" إلى معلومة متحققة في تنظيم موضوعي وبعبارة أخرى في إسقاط ‏معلومة مجردة وحرة " مؤسسة بدقة على تمثل" على سند عيني يقبل بفعل هذا الإسقاط ذاته تنظيما ‏إضافيا..."‏
يمكن تحديد النموذج بالسلب فهو ليس مجرد نسخة من الأصل ولا الأصل في حد ذاته، وهو ليس المثل ‏الأعلى للعلم ولا الصورة المحسوسة المطابقة للواقع العيني، ولا هو المثال الأفلاطوني ولا البراديغم ‏بالمعنى الذي نجده عند توماس كوهن لأنه ليس مجرد فكرة قابلة للتحقيق بل تحقيق عياني للفكرة ‏ويشتغل داخل باراديغم معين ويمكن أن يساعد على استقرار علم المعيار أو حدوث أزمة في البراديغم ‏القديم والتحول نحو تشكيل باراديغم جديد.‏
‏ تبرهن نوال مولود على هذا التصور بقولها:" النموذج هو التصميم والشيء المصغر والسهل الاستعمال ‏والذي يعاد من خلاله إنتاج خصائص شيء ذي أبعاد كبرى سواء تعلق الأمر بمعمار أو بأداة ميكانيكية ‏وفقا لشكل مبسط ومصغر..."‏
تتميز النماذج بتعقد أنواعها وتنوع استعمالاتها وتكاثر أدوارها وتشعب منازلها وربما لا يوجد سوى ‏العلم والتكنولوجيا هما اللذان يساعدان على تقدير حجمها وضبط إيقاعها، فما رأي فلسفة العلم ممثلة في ‏الإبستيمولوجيا مطعمة بالفنومنولوجيا في ذلك؟ وألا يمكن أن تنير لنا الطريق في هذا الاتجاه؟‏
‏2-‏‎ ‎‏ صلاحيات النمذجة: الوظائف والأبعاد:‏
‏" منذ أن يقوم المنمذجون بتغيير الشفرات لوصفها أو لفك الشفرة التي يقرؤونها بها تصبح العديد من ‏الظواهر مفهومة..."‏
ترتب عن ما سبق‎ ‎‏ أن مفهوم النموذج تم تعميمه على معظم الميادين ووقع تركيزه في مختلف المجالات ‏العلمية وأن "نظرية النماذج هي دراسة علاقات بين لغة صورية وبين تأويلها بواسطة انجازات ‏محسوسة" ‏ كما حددها عالم المنطق البولوني ألفرد تارسكي مؤسس علم المعنى المنطقي ونظرية ‏الأنساق الصورية وليست فقط رسوم مجردة تهدف إلى فهم وضعية محسوسة وتناولها، لكن الأسئلة التي ‏تطرح هنا هو: لما يصلح النموذج؟ وماهي أبعاده؟ وهل يمكن معرفة منزلته في العلم؟ ‏
يمكن تصنيف النماذج بالاعتماد على عدد من المعطيات:‏
‏-‏ هناك نماذج واعية تحليلية ونماذج لاواعية
‏-‏ هناك نماذج يقينية مستقرة وأخرى احتمالية قيد التجريب.‏
‏-‏ هناك نماذج تفكيكية تقوم على التجريد وأخرى تركيبية تقوم على البناء.‏
‏-‏ ثمة نماذج مغلقة تحتوي على عناصر معروفة ومضبوطة وأخرى منفتحة لا تتأثر بالزيادة ‏والنقصان وتعتبر ذلك تكامل عضوي يكونها.‏
‏-‏ ثمة نماذج مختزلة بسيطة يحتوى على عنصر واحد وهناك نماذج معقدة تتكون من عدة عناصر ‏متشابكة ومتفاعلة ومنفتحة على عناصر أخرى.‏
‏-‏ يمكن تصنيف النماذج على أساس الارتباط بالزمان والمكان بحيث هناك نموذج تعاقبي يرتكز ‏على مفهوم التالي بين السابق واللاحق وهناك نموذج تزامني بنيوي يشتغل بالتعالي على التاريخ ‏مثل النماذج اللغوية والرياضية.‏
‏-‏ يمكن تصنيف النماذج على أساس الهدف الذي ترمي إليه وبالتالي نجد نموذج موضوعي مادي يدخل ‏المنمذج إلى الواقع من أجل إدراكه وتفسيره ونجد نموذج ذاتي نفسي يدخل إلى العقل ويدرس علاقته ‏بالواقع ويتقصى سبل المعرفة الأخرى عند الإنسان .‏
‏-‏ ثمة نماذج متلقية تكتفي بتسجيل المعلومات الواردة من الطبيعة ونماذج اجتهادية تضيف عدة أبعاد ‏جديدة للواقع وثمة نماذج تراكمية تقوم على التجميع والتحصيل والاستنتاج ونماذج توليدية تبدع ‏وتنشئ أشياء جديدة تزيدها إلى رصيد المعرفة.‏
اللافت للنظر على أن النمذجة هنا هي إعادة بناء وإعادة إنتاج وأن العلاقة بين النموذج الذي وقع ‏تصميمه والواقع الذي تمت نمذجته ليست علاقة تطابق ومماهاة بل هي علاقة محاكاة تقريبية.‏
في هذا السياق يمكن الرجوع إلى بول ريكور في الفصل الذي خصصه للنمذجة في المجاز الحي ‏عندما عرف النموذج على أنه " وسيلة استكشافية يسعى إلى اختراق التأويل غير المطابق بواسطة ‏التخييل وخط الطريق نحو تأويل جديد أكثر مطابقة"‏ ‏ لكونه وسيلة إعادة وصف ينتمي إلى منطق ‏الاكتشاف لا إلى منطق الحجة وعندما قارن بين النموذج والمجاز واعتبر منزلة النموذج في اللغة ‏العلمية كمنزلة المجاز في اللغة الشعرية من جهة العلاقة بالواقع وعندما ميز‎ ‎أيضا بين ثلاثة أبعاد ‏للنمذجة:‏
‏-‏ النماذج بالقياس أو حسب السلم ‏à l’échelle ‎‏ وهي تمثل الدرجة الدنيا من الترتيب وتقتصر ‏على عمليات التصميم والتكبير والتصغير والتصوير والنمنمة من خلال علاقة لامتماثلة مع ‏الشيء المراد إظهاره كماهو وكيف يشتغل من خلال التركيز على مجموعة من الخصائص ‏الملائمة مع النمط الأصلي.‏
‏-‏ النماذج التناسبية أو حسب التشاكل‎ par analogie ‎تأخذ بعين الاعتبار تغيير الوسط ‏وتمثيل البنية وتحرص على تمثيل منظومة العلاقات التي تحاكي النمط الأصلي عن طريق مبدأ ‏التقابل الرياضي وبالتالي يتشابه النموذج والنمط الأصلي ليس في المستوى المرئي الظاهر بل ‏في البنية فقط.‏
‏-‏ ليست النماذج النظريةthéoriques ‎‏ ما يمكن إظهاره أو ما يجب صنعه بل هي ليست أشياء ‏أصلا بل بني افتراضية يقع تصورها عن طريق ضرب من الخيال العلمي، إنها تدشن لغة جديدة ‏يوصف من خلالها النمط الأصلي دون أن يصنع.‏
ينتهي ريكور في هذا النص الشهير إلى النتيجة التالية:" لا تعني العودة إلى الخيال العلمي التخلي عن ‏العقل والذهول بواسطة الصور بل بالأساس الاقتدار الكلامي على البحث في علاقات جديدة حول ‏النموذج الموصوف ". يحاول بول ريكور هنا توسيع نظرية المجاز لتشمل نظرية النموذج وما يهتم به ‏هنا هو الفعل الارتدادي لنظرية النموذج على نظرية المجاز ويستنتج أن اختزال النموذج في مجرد حيلة ‏نفسية يساوي اختزال المجاز في أسلوب تجميلي.‏
غني عن البيان أننا أمام عدة أنواع من النماذج لها عدة طبقات وتتنزل ضمن عدة سياقات، فماهي ‏وظائفها؟ وما مدى صلاحيتها؟
اللفظ نموذج يستعمل في العلوم في أربعة سياقات مختلفة هي:‏
‏-‏ التصميم أو التخطيط الذي يصلح لإنتاج أنماط‎ Protitypages ‎‏.‏
‏-‏ النموذج المفهومي الذي يصلح للتشخيص والفهم من خلال نظرة فكر تحليلية أو حسابية تمثل ‏الظواهر والعلاقات بينها ، أما الحد الأقصى فإن نظرية النماذج تستثمر الصلاحية المنطقية ‏للنماذج.‏
‏-‏ التقليدات ‏simulations‏ ذات طبيعة تكهنية وتشخيصية التي تم وضعها بواسطة الحاسوب ‏وتتفرع إلى نماذج حسابية ورقمية وتحليلية وتصنيفية تخزينية‎ Stochastiques ‎‏.‏
‏-‏ الجسم النموذجي ‏Organisme modèle‏ هو نوع حي يمكن أن نرفعه بسهولة ونفلحه ‏بغية إجراء بعض التجارب العلمية والتي يصعب علينا وضعه ضمن نسق بالغ التعقيد مثل النوع ‏البشري.‏
يفيد المعنى المطبق على السياسة وعلم الاجتماع والثقافة أن النموذج يبلور سيطرة شكلانية في مقصد ‏النوع البشري والمجتمع الإنساني ويؤسس مجموعة من القواعد التي تكون نوع من الأخلاق المرنة ‏ويطبعها ويظهرها. ويستعمل النموذج هنا مرجعية معينة وإحالة خاصة به ويعرف بشكل حر صورة ما ‏وبنية اجتماعية تمثل الهيكلية التي تتركب منها الجماعة.‏
من جهة مقابلة يحتل النموذج الفني مكانة بارزة في مجتمع الفرجة فهو يطرح ويعرض من أجل الفن ‏الموضة التي ينبغي إتباعها والرسائل الاشهارية المناسبة للمنتوجات المعدة للاستهلاك. إن الاشتغال على ‏النموذج يتم في أنظمة أخرى مثل ألعاب التمثيل والرقص والتقليد حيث يكون من الصعب علينا أن نرسم ‏حدودا فاصلة بين هذه القطاعات لاسيما وأن مجرد الظهور في فيلم أو مسرحية لا يمكن اعتباره نشاطا ‏بالمعنى الحقيقي للنموذج مهما كانت طبيعة الدور الذي يؤديه الممثل . إن النموذج مطالب أن يعبر من ‏خلال جسمه وتعبيراته عن انفعالاته المنقولة عبر الميديا والرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي.‏
‏ يلعب النموذج وظيفة بيداغوجية تتمثل في قدرته على تبسيط ماهو معقد عبر توخيه إستراتيجية الإهمال ‏من أجل الوصول إلى درجة معقول من فهم الظواهر ، حول ذلك يصرح باسكال نوفال:" ليس النموذج ‏علامة على علاقة مستحدثة بين عناصر كثيرة بل هو التعبير عن مثل تلك العملية المراقبة للإهمال. ‏واستراتيجيا الإغفال تجد نفسها مرتبطة بالفهم...انه ينبغي التبسيط إلى أقصى حد لكي نستطيع القول إن ‏هذا حدث دائما. إذن فالتبسيط هو نمذجة..."‏
هوامش
‎ C. Cohen Tannoudji, la notion de modèle en physique théorique, p31‎
‎2 in Axiomatique de la modélisation.‎
‎3‎‏ فيرنر هيزنبرغ ، الجزء والكل : محاورات في مضمار الفيزياء الذرية، ترجمة محمد أسعد عبد الرؤوف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ‏‏1986، ص51-52‏
‎4 J- L- Le Moigne , le constructivisme, éditions L’Harmattan, 2002, T3, pp15‎
‎5 Ludwig Pascal, la philosophie des sciences au 20 siècle, pp 200-201.‎
‎6Pierre Duhem, la théorie physique, son objet et sa structure , pp143- &’’‎
‎7 Hans Freudenthal, Colloque, Danger d’une prédominance abusive du syntaxe sur la ‎sémantique dans les sciences actuelles, Paris 1978.‎
‎8 Hans Freudenthal, la sémantique du terme modèle, pp159-160‎
‎9 Jean Laderiere, les enjeux de la rationalité, pp63‎
‎10 Noel Mouloud, Encyclopidia Universalis, Modèle, pp529-530‎
‎ J- L- Le Moigne , le constructivisme, éditions L’Harmattan, 2002, T3, pp‎‏196‏
‎2 Houria Sinaceur, Corps et Modèles Mathésis, Editions Vrin, 1991, P1‎
‎ 3Paul Ricœur , la métaphore vive, Editions du Seuil, Paris, 1974 , pp 302- 310‎
‎4 Pascal Nouvel, Enquête sur le concept de modèle- Article : Modèles et métaphores, ‎pp193- 196‎


أضافها رواق الفلسفة في دراسات حول المسائل و الشخصيات المتعلقة ببرنامج الف @ 08:47 ص

خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية