الرغبة والسعادة:

 

الرغبة والسعادة:

زهير الخويلدي

"ولما كانت السعادات إنما ننالها متى كانت لنا الأشياء الجميلة قنية وكانت الأشياء الجميلة إنما تصير قنية بصناعة الفلسفة فلازم ضرورة أن تكون الفلسفة هي التي بها ننال السعادة، فهذه هي الذي تحصل لنا بجودة التمييز"[1].

استهلال:

إذا كانت السعادة بالنسبة إلى الإنسان العامي مطلبا حارقا لا غني عنه وإذا كان لدى كل فرد توق طبيعي إلى تحصيلها لأجل ذاته فإنها في عصر العولمة تحولت إلى واقع حسي ملموس وأصبحت أسطورة تتجسد في الوفرة والرفاه ورغد العيش وأضحى مثلها الأعلى هو الاستهلاك. إذا كان الكل يسعى إلى تحصيلها فإنه لا أحد بإمكانه الجزم بأنه توصل إليها لأنها مطلوبة لذاتها وكان الطريق إليها ولا يزال وعر لكونها منغمسة في الشبهات، إنها من شدة ضرورتها وفرط بداهتها تحولت إلى مشكل شائك ومعضلة مستعصية الحل.

إذا كان الكل يسعى إليها طالبا راغبا مستجديا وقاصدا فإنه لا أحد بإمكانه أن يعرفها قبل تذوقها فهي من جنس المنشود لا الموجود ومن جنس المفقود لا المعدود. الغريب أن التمثل العفوي لدى الإنسان العامي يعتقد أنه يعثر عليها في الثروة والتمتع باللذات والرئاسة والمجد والجاه والصحة والعلم ولكن ما إن يحصل عليها حتى يرتد إلى ذاته مقبلا مدبرا مكرا مفرا وحتى يتيقن من أنها سعادات مظنونة وفضائل شكلية ليعود بعد ذلك باحثا عن السعادة القصوى.

اللافت للنظر أن هذا الاهتمام بالسعادة وقع تدعيمه قانونيا بلائحة حقوق الإنسان والمواطن التي أعلنت سنة 1789 لما وقع الاعتراف بحق كل إنسان في السعادة وفي حياة كريمة وحرية السفر والتمتع بالراحة سواء أثناء أوقات العمل أو أثناء أوقات الفراغ وأن يتم تقسيمها بشكل عادل ومتساو بين الأفراد.

 إن السعادة شغل الإنسان الشاغل اجتماعا وأخلاقا وسياسة ووجودا وهي تتحرك إما على الغايات المحددة للفعل أو على مستوى الوسائل المحققة له.من هنا تتفتق الإحراجات وتنبجس الإشكالات وتظهر الصعوبات بخصوص علاقة السعادة بالرغبة: هل يجب التنازل عن الرغبة من أجل تحقيق السعادة؟

 هل السعادة من الرغبات الطبيعية أم من إنتاجات الحضارة الاستهلاكية؟ وان كان الإنسان كائن راغب وإذا كانت هذه الرغبة تتجلى كأحسن ما يكون في السعادة فهل هي من الضرورات التي تؤدي إلى الحصول عليها والفوز بها أم من العوائق التي يجب تخطيها لنيلها؟ لمن الأسبقية ؟ هل السعادة أم للرغبة؟ هل نحن سعداء لكوننا نرغب أم نحن نرغب من أجل تحصيل السعادة؟

ما الذي يحول دون وضع صياغة دقيقة للسعادة؟ وماهو المطلوب الذي بمقتضاه يتجه الفعل نحو الاقتراب من الفوز بالسعادة؟ كيف تنشد السعادة إلى سائر الخيرات وتعلو عليها في الآن نفسه؟ هل يعني العلو انقطاعا عن الملذات ومغالبة لقوى النفس عتقا للذات من سلطان الأهواء وصونا لها مما يتهددها من استبداد القوى الخارجية؟ هل يتعلق الأمر بذات فردية أم بجسد اجتماعي يحول السعادة الفردية إلى سعادات جماعية تستلزم بالعقل خيرا يقاوم الفوضى ويؤسس تراتبية يكون منتهاها الانتظام؟ هل ثمة سعادة أم سعادات؟ وهل سعادة الفرد ممكنة في ظل غياب سعادة المجموعة أم أن سعادة المجموعة هي شرط تحقق سعادة الفرد؟ هل هي لذة الجسد أم ابتهاج النفس؟ هل هي نابعة من التأمل والنظر أم عن الممارسة وانجاز الفعل بإتقان؟ هل هدفنا جعل الأفراد سعداء بأكثر قدر ممكن أم أننا نضع نصب أعيننا سعادة المدينة بأسرها؟ هل نريد سعادة البعض أم سعادة الجميع؟ هل ينبغي لكل طبقة أن تتمتع بالسعادة على قدر طبيعتها ووظيفتها؟ هل تكمن السعادة في التحقيق المطلق للذة أم في العقل اليقظ الذي يبحث عن أسباب اختيارنا لشيء ما أو اجتنابه؟ هل الأهواء هي دوما مستبدة تهدد استقلال ذواتنا؟ أليس ثمة طريق نستلذ فيه تحقيق الرغبة دون أن نكون عبيدا لها؟ هل يمكن أن نبلغ الفضائل دون أن تكون لنا حاجة إلى مغادرة تامة لعام الأشياء ؟ كيف ستكون السعادة فكرة موهومة جعلتها الحضارة والمجتمع الصناعي لاستعباد الناس؟ وألا يمكن أن تكون مجرد سراب لا يحدث فينا إلا توتر يفقدنا الإحساس بالرضا؟ فإذا كان المجتمع ما بعد الصناعي استعباديا ألا يحملنا ذلك على الزهد في السعادة؟ هل تبقى السعادة مجرد مطلب نبتغي نيله وان بعناء؟ هل نطلب السعادة لطلب خيرات دائمة أم أن الأمر يستدعي هدما لما اعتقدنا سابقا أنه خير؟ ثم ما علاقة السعادة بالرغبة؟ هل يجب التنازل عن الرغبة لتحقيق السعادة أم ينبغي أن يكون إشباع الرغبة هي بداية الحياة السعيدة وغايتها؟ وإذا كانت الرغبة من الأشياء التي من صنعنا أي حرة بطبيعتها وأمرها بيدنا فهل يقتضي تحصيل السعادة قمعها والتحكم فيها؟ ما العلاقة بين الخير والسعادة؟ وإذا كان الخير هو غاية السعادة فهل هناك تطابق بين السعادة والخير الأسمى أم أن السعادة ناتجة عن إتباع الإنسان للفضيلة؟

ما نراهن عليه هو تفادي أن تكون السعادة تجربة معاشة ونتيجة محصلة والنظر إليها على أنها فكرة ناظمة ومبدأ موجه يقترن ببهجة المعرفة والعلم الفرح واعتدال الجسد واقتدار الحياة والوجود الأرقى.

1- السعادة هي التنازل عن الرغبة:

"لا تطلب أن تأتي الأحداث على النحو الذي تريد واقنع بأن تريدها على النحو الذي تحدث به. هكذا تقضي حياتك سعيدا..."

على الرغم من رغبة الإنسان في أن يكون سعيدا فأنه يعجز عن أن يقول في ألفاظ دقيقة ومتماسكة ما يرغب فيه وما يرومه على الحقيقة نظرا لغموض مفهوم السعادة وعدم تحدده ولأن جميع العناصر التي يتألف منها هذا المفهوم تستعار من التجربة بينما فكرة السعادة في حد ذاتها هي حد أقصى وكل مطلق. إن الإشكاليات التي تطرحها علاقة السعادة بالرغبة عديدة ومتنامية ويمكن أن نذكر منها ما يلي: عما تساؤلنا ظاهرة السعادة؟ وضمن أية شروط وكيف السبيل الى تحصيلها؟ هل عن طريق التضحية بالمنفعة واللذة والصحة أم عن طريق طلب الخير الأسمى؟ هل أن مشكل تحديد أي فعل يمكن أن يجلب السعادة لكائن عاقل تحديدا يقينيا وعاما هي مشكلة لا حل لها على الإطلاق؟ كيف تكون السعادة هي مثل أعلى لا للعقل بل للتخيل وتقوم على مبادئ خبرية؟

ما نفترضه أولا أن تحقيق سعادة النفس يمر حتما عبر السيطرة على رغبات الجسد ومن المعلوم أن الرغبة هي النزوع التلقائي الداعي إلى غاية معلومة أو متخيلة ويقال: رغب في الشيء أي حرص عليه وطمع فيه وأراده. وتوجد تحت كل رغبة نزعة كما أن تحت كل إرادة رغبة، فالرغبات مبنية على النزاعات والفرق بين الرغبة والنزعة أن الأولى أخص من الثانية وأكثر تعقيدا منها. وترادف الرغبة الشوق ألا أنها أخف وطأة منه ، لأن الرغبة نزوع إلى الشيء أما الشوق فهو نزوع شديد إليه.

يمكن مقابلة الرغبة بالإرادة لأن الإرادة تقتضي توفر عدة شروط منها تنسيق الرغبات والتفريق بين الذات المدركة والشيء المدرك ومنها الشعور بجدوى الفعل والتفكير في الوسائل المؤدية إلى الغاية، وبهذا المعنى توجد الرغبة في منطقة وسطى بين النزوع والإرادة. ويرغب الإنسان في عدة أشياء منها السعادة، ولكن ماذا نقصد بهذا المفهوم الذي نرغب فيه كلنا؟

السعادة ضد الشقاوة وهي تعني الرضا التام بما تناله النفس من الخير والنعيم وهي واحدة من الفضائل وتربطها علاقة بالخير واللذة والمنفعة، ويعرف أفلاطون "السعادة على أنها إتباع الإنسان الفضيلة" ويذهب أرسطو إلى أن السعادة هي تطابق الخير الأسمى وتنتج عن الممارسة وعن الامتياز الراجع إلى الجدارة في الوظيفة أي انجاز العمل بنجاح. وتوجد السعادة عند الإنسان الذي يقوم بالنشاط لا طبقا لفضيلة واحدة بل طبقا لجملة الفضائل العقلية والأخلاقية لأنه كما يقول أرسطو:" خطاف واحد أو نهار مشمسا واحد لا يدل على قدوم الربيع".

إن السعادة هي من الفضائل التي يكمل بها الإنسان وجوده ويمكن أن تكون من الأمور المظنونة أو من الأفعال الفاضلة، ولكن السعادة القصوى ارتبطت بالخير الأسمى كفضيلة عظمى وكل موجود إنما يكون ليبلغ أقصى الكمال الذي له أي يبلغه بحسب رتبته في الوجود. كما أن الإنسان بماهو كائن يتميز عن غيره بالعديد من الخصال أهمها قدرته على بلوغ الكمال والسعادة تعتبر من أهم الفضائل التي يستعملها ليكمل بها وجوده لأن كل من ينحو نحو السعادة ينحو نحو كماله. وان كانت الخيرات الأخرى تؤثر لأجل غيرها فإن السعادة تؤثر لأجل ذاتها لاسيما وأنها أكمل الخيرات وان حصلت لنا لم نحتج معها إلى شيء آخر. في هذا السياق يقول الفارابي:"السعادة هي غاية ما يتشوقها كل إنسان...وهي أجدى الخيرات المؤثرة...من بين الخيرات أعظمها خيرا ومن بين المؤثرات أكمل كل غاية سعى الإنسان نحوها من قبل"[2]. ويبرهن الفارابي على هذه الدعوى بقوله:"ولما كنا نرى أن السعادة إذا حصلت لنا لم نحتج بعدها أصلا أن نسعى لغاية ما أخرى غيرها ظهر بذلك أن السعادة تؤثر لأجل ذاتها ولا تؤثر في وقت من الأوقات لأجل غيرها، فتبين من ذلك أن السعادة هي آثر الخيرات وأعظمها وأكملها"[3].

ان السعادة ليست من الخيرات التي تؤثر من أجل غيرها فهذا رأي الإنسان العامي بحيث "ان بعضهم يرى أن الثروة هي السعادة وبعضهم يرى أن يرى أن التمتع باللذات هو السعادة وبعضهم يرى أن السياسة هي السعادة وبعضهم يرى أن العلم هو السعادة". ولكن كل هذه الخيرات هي غايات جزئية يطلبها الإنسان لينال غايات أخرى والسعادة ليست وسيلة ولا تؤثر لينال بها غاية أخرى بل هي "آثر وأعظم خيرا وأكمل" ويبرهن على ذلك بقوله:" وإذا كانت هذه مرتبة السعادة وكانت نهاية الكمال الانساني فقد يلزم من آثر تحصيلها لنفسه أن يكون له السبيل والأمور التي بها يمكن الوصول إليها"[4].

تتطلب السعادة تجربة طويلة من المجاهدة وليست من صنع لحظة أو تمتع بلذة أو من الحصول على منفعة عن طريق الصدفة وإنما هي نتيجة نشاط تقوم به جميع الملكات النفسية العاقلة والحيوانية ويمكن أن ترتبط بالعمل ولذلك يؤثرها الحكيم حتى في العذابات. كما تقتضي السعادة تقديم معرفة العلوم النظرية على إتقان الصنائع العملية لأن "ليس في فطرة كل إنسان أن يعلم من تلقاء نفسه السعادة" بل يحتاج إلى تعليم وإرشاد وفي هذا يقر الفارابي:"وإذا كان المقصود بوجود الإنسان أن يبلغ السعادة القصوى فإنها يحتاج في بلوغها إلى أن يعلم السعادة ويجعلها غايته ونصب عينيه. ثم يحتاج بعد ذلك إلى أن يعلم الأشياء التي ينبغي أن يعملها حتى ينال بها السعادة ثم أن يعمل تلك الأعمال"[5].

إن الحكيم مطالب بأن يلازم التعقل والاعتدال وأن يتميز بالشجاعة والمروءة وأن يتصرف بنبل ومثابرة وكرامة وشرف وألا يمتنع عن فعل أي شيء يندم عليه أو تحت إكراه وألا ينتظر بثقة أي حدث مستقبلي وألا يندهش من أي حادث عارض قد يبدو غير منتظر وجديد وأن يرجع كل شيء إلى إرادته وأن يكون ثابتا في أحكامه. لكن ماهي شروط السعادة؟

الشرط الأول هو التناغم مع نظام الكون، إذ عندما يكون الحكيم على غاية من التوافق مع الطبيعة فانه لا يفعل إلا ما يقدر عليه ويحوز على الخير الأسمى ويتحكم في السعادة.

الشرط الثاني أن تكون ميول النفس راضية وأن يكون رضاها بما حصلت عليه من الخير تاما ودائما، ومتى وصلت السعادة إلى مستوى الرضا الروحي ونعيم التأمل تحولت إلى غبطة Beatétude .

الشرط الثالث هو السكينة Ataraxie وتعني الطمأنينة التي يجدها القلب بعد التصديق بالأمر والإيمان بالشيء وهي راحة العقل وسكون القلب وتنشئ عن الاتصاف بالحكمة والاعتدال والاتزان (أبيقور) وعن تقدير قيم الأشياء تقديرا صحيحا( الرواقية) وعن التوقف عن الحكم وتعليقه  Epoché (الريبية) .

الشرط الرابع هو الراحةQuiétude  وهي نقيض التعب وتعني سلامة النفس من الاضطراب والهم وتدل على الكمال الروحي الذي ينتج عن التأمل الصامت الخالي من الجهد ( ديكارت) وكذلك الرضا Consentement الذي يعني كمال إرادة وجود الشيء وابتهاج القلب وسروره بالمقتضى ويعني القبول والتسليم والرضوان، ويمكن أن نجد أيضا الفرح Hapiness والهناءFelicitas  .

إن التناقض بين الرغبة والعقل عند أفلاطون يصبح تناقضا بين رغبتين عند أرسطو: رغبة عقلانية تدفع نحو الخير الواقعي الذي اختير عن مداولة ورغبة غير معقولة وتخضع للتصور البديهي للخير. يرفض أرسطو في إطار تصوره الغائي للوجود التراتبي ونظريته الطبيعية العضوية إدماج الرغبة في الجانب اللاعقلاني للنفس. من المعلوم أن أرسطو ألف بين الخير الأسمى والسعادة وجعل اللذة شرطا ضروريا لتحقيق السعادة لا شرطا كافيا كما هو الشأن عند أبيقور الذي يفرق بين اللذة الثابتة التي تجلب الخير والطمأنينة واللذة المتغيرة التي تسبب الألم والاضطراب، في حين يرجع كانط السعادة إلى الواجب ويعتبر اللذة حالة آنية تابعة للزمان المتغير والسعادة حالة مثالية يقترب منها الإنسان تدريجيا دون بلوغها بالفعل. هناك نظام في الوجود بالنسبة إلى الرواقي يستوجب تقابل الخير مع الشر واللذة مع الألم والسعادة مع الشقاء وتتمثل خطة الإنسان بأن ينجز ماهو بطبعه وأن يريد ما يقدر عليه.

 ولهذا السبب يقابل ديكارت بعد ذلك بين الأهواء والعقل ويعتبر الرغبة واحدة من ستة أهواء أولية تحدث الاضطراب في النفس بتأثير من قوى خارجية.

بيد أن كانط يتجاوز الثنائية الديكارتية ويجعل الرغبة ملكة ويكشف عن رغبات غير قابلة للتحقيق وأخرى تندرج ضمن إرادة الإنسان تغطي مجال الفعل وتنتج الموضوع، وفي هذا السياق نراه يميز بين اللذة كملكة داخلية للرغبة والإرادة كملكة خارجية للرغبة نتيجة خضوعها للواجب.

من جهة مباينة توحد نظرية المنفعة العامة عند بنتام ومل وسبنسر بين سعادة الفرد وسعادة الكل ويربط المذهب الذرائعي السعادة بالتغلب على الصعوبات وتحقيق النجاح وفرحة الحصول على جملة من الفوائد.

نستخلص من كل ما سبق وجود نظريتين هما مذهب السعادةEudemonisme  ومذهب اللذةHedonisme ، يرى الأول أن السعادة العقلية هي الخير الأسمى وغاية العمل الانساني سواء تعلق الأمر بالفرد أو بالمجتمع، في حين يرى الثاني أن اللذة هي الخير الأسمى وأنها شرط كافي لتحقيق السعادة. كما يترتب عن ذلك أن السعادة قد أن تكون عقلية روحية تأملية أو جسدية مادية حسية أو ذوقية وجدانية وجودية. في هذا المقام يمكن الرجوع إلى الفارابي الذي يرى أننا لا ننال السعادة بالأفعال الجميلة ما لم تكن تلك الأفعال قاصدة هادفة من جهة ومتحققة بصناعة معينة من جهة أخرى أي أن تصير توسط وملكة لنا بالتكرار والاعتياد.

  ينبغي أن نميز هنا بين السعادة الحقيقية التي تطلب لذاتها من طرف الفيلسوف على الحقيقة بإطلاق والسعادة المزيفة التي تطلب للحصول على خيرات أخرى مثل الثروة والصحة والجاه واللذة والتي يقع فريستها الفيلسوف الزور أو البهرج أو الموهوم، وفي هذا السياق يصرح الفارابي:"فرأى أن الغرض من مقدار ما حصل له منها بعض السعادات المظنونة أنها سعادة التي هي عند الجمهور خيرات فأقام عليها طلبا لذلك وطمعا في أن ينال به ذلك الغرض. وهذا ربما نال به الغرض فأقام عليه وربما عسر عليه نيل الغرض فرأى فيما علمه منها أنه فضل فهذا هو الفيلسوف الفاضل"[6].  فما معنى أن يكد البعض من أجل الشعور باللذة وجلب المنفعة تحقيقا لرغباتهم وتحصيلا لسعادتهم؟

2- السعادة هي الزيادة في الرغبة:

" الرغبة هي المحرك الأساسي لفاعلية الإنسان" رينان

تحصيل السعادة ذلك هو مطمح كل كائن بشري وتلك هي غاية كل موجود إنساني  خاصة وأن "الفاعل الحر والعاقل يميل بالطبع إلى ما يحدث فيه لذة ويتجنب ما يسبب له ألما ومعنى ذلك أنه ينشد السعادة بالطبع وينفر من البؤس"[7] والشقاء لما يؤدي به من انحطاط في الرتبة الوجودية وتعاسة في المنزلة الاجتماعية. إن ماهو في غاية الشهرة وما لا يحتاج في بيانه إلى برهان هو أن السعادة هي أجدى الخيرات وأعظمها وأهم الفضائل التي يكمل بها الإنسان وجوده فهي غاية يتشوقها الإنسان لتحصيل كماله ويحقق إنيته. على هذا النحو يبدو الإنسان الوحيد من بين كل الموجودات المخصوص بالسعادة وتبدو السعادة القيمة الوحيدة من بين كل الفضائل التي تطلب لذاتها، ولذلك يعد طلب الإنسان للسعادة أمرا بديهيا خاصة وأنها طريق النجاة وسبيل التمتع بالحياة ومصدر الشعور بالبهجة والغبطة ووسيلة للإحساس بالرضا التام والسكينة الباطنية.

فهل السعادة من الأشياء التي أمرها بيدنا أم من الأشياء الأخرى التي ليس لنا عليها سلطان أم أنه لكي يكون الإنسان سعيدا عليه أن يفرق بين ما يقدر عليه وما لا يقدر؟ كيف إذا اعتبر الإنسان ملكا له ما كان ملكا له يصبح سعيدا وأن الأشياء التي هي مستعبدة بطبيعتها هي حرة والأشياء الحرة مستعبدة كان مضطربا شقيا؟ إلى أي مدى يصح قولنا أن السعادة لا يمكنها أن تثبت دون فضائل والفضائل لا يمكن أن تثبت دون سعادة وأنه لا يمكننا أن نكون سعداء دون أن نكون حكماء ونزهاء وعادلين ولا أن نكون حكماء ونزهاء وعادلين دون أن نكون سعداء؟ ماهي شروط تحقيق السعادة ؟ هل هذه الشروط هي الامتناع عن فعل أي شيء قد يندم عليه المرء أم عن فعل أي شيء فرض بالقوة؟ هل حياة الحكيم وبلوغه الخير الأسمى من الأمور التي تتحكم في السعادة؟ هل عندما ننتظر بثقة أي حدث مستقبلي ولا نندهش من أي حدث عارض ونرجع كل شيء إلى إرادتنا ونكون ثابتين في أحكامنا نستوفي شروط الإمكان النظرية والعملية لتحقيق السعادة؟ ماهي مشروعية هذا القول:" إذا لم يكن ما نريد فينبغي أن نريد ما يكون"؟

الموقف الثاني يجعل السعادة رهينة الزيادة في الرغبة ويربط ذلك بالتعلق بحياة الجسد وملذاته أو بنشاط الروح ومباهجها خاصة وأن الرغبة تشكل جوهر الطبيعة البشرية.

ترتبط الرغبة في جانب منها بالتوهم إلا أننا لا ندرك بطلانها إلا بعد إشباعها ومن خواص الرغبة أنها تعمل على خلق المستقبل ولا تقتصر على مجرد الانتباه إليه.إن اتصاف الرغبة بالتلقائية هو جوهر الفعل ومنبعه وأصله الأول فكل أثر من آثار الإنسان يتولد عن رغباته لاسيما وأنه باقة من الرغبات.

غير أن الرغبة قد تعني التخيل والتوهم وتعبر عن جزء لاعقلاني ولاشعوري من النفس لاسيما وأن اللذة المتخيلة تسمى رغبة أما الألم المتخيل فيسمى خوفا، من ناحية ثانية تقترب الرغبة من الميل الواعي نحو شيء يعتقد أنه خير وهو مضادة للعقل وضد الاعتدال. تكشف عن تناهي الإنسان وضعفه وتعبر عن اضطراب النفس تحت تأثرها بقوى خارجية وبالتالي ينبغي أن تتحكم فيها بالإرادة العاقلة لتحقق توازن الإنسان. إن الرغبة قد تكون المفتاح الذي يبني العلاقة التي يقيمها الإنسان مع الآخر وخاصة رغبة الاعتراف عند هيجل حيث تكون حركة الوعي ذاته من أجل الوصول إلى تحققه الفعلي، كما يمكن أن تمثل الرغبة المنبع الأصلي للمعنى وتؤدي إلى الصراع عندما تتمثل في موضوع رغبة الآخر والرغبة في الرغبة ذاتها أي التعلق بماهو معنوي ورمزي متعال على ماهو مادي.

إذا كانت السعادة عند السفسطائيين هي إتباع الأهواء فإنها عند القورينائية الاستمتاع باللذات الحسية إذ يرى أبيقور أن رغبات الإنسان الطبيعية بعضها ضروري للحياة والآخر لسكينة الجسم المتواصلة والنوع الثالث ضروري لتحقيق السعادة ولئن ربط الكمال الحق للحياة السعيدة في سلامة الجسم وقرارة النفس وأكد أن اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغايتها وربط بين الخير واللذة وبين الشر والألم إلا أنه عرف السعادة على أنها انعدام الألم في الجسم والاضطراب في النفس وبين أن الحياة السعيدة لا تتمثل في الإفراط في إشباع اللذات بل في العقل اليقظ الذي يبحث عن أسباب اختيارنا لشيء ما أو تجنبنا له ويراها مقترنة أيضا بالفضائل.

الرغبة Thymosعند أفلاطون هي أحد الأجزاء الثلاث للنوس ترتبط بالجسد وتعطي التأثير والانفعال وهي تناقض الحساب العقلاني والمداولة كوظيفة جوهرية للشجاعة وتجعل النفس سجينة الجسدEpithymétion  وتبعدها عن المعقول  Logismas. في حين أن الرغبة عند أرسطو تمثل الوظيفة المحركة للنفس تطرد كل ماهو متأتي من الحياة النباتية والحيوانية من النفس العاقلة وتساعد على التعقل، لكن الإنسان غير قادر على اختزالها وردها لأن كل فعل له الرغبة كمحرك وكل رغبة هي من أجل غاية معينة لأن موضوعها هو مبدأ العقل العملي.

كان السبق لإسبينوزا عندما خلط بين الرغبة والإرادة  لاسيما وأن الإرادة هي رغبة مطلقة وأعطى للرغبة دلالة جوهرية  واعتبرها عاطفة واعية بذاته وتكون ماهية الإنسان والطبيعة التي تخصه. ومن جهة مقابلة يجعل اسبينوزا الرغبة ذات صلة بالحاجة تقاس بالإشباع وتعبر عن نقص بين الذات وذاتها الذي لا يقع تداركه إلا بحفظ الكيان وبالرغبة في المحافظة على البقاء.هذا ما تفطن إليه هيجل حينما رفض التناقض بين الرغبة والإشباع وأكد على مبدأ الحياة في حركة الوعي الجدلية نحو اللحاق بذاته.

ما نلاحظه في المجال اللاواعي أن الرغبة يمكن أن ترتبط بالحلم وبالإشباع الخيالي المترتب عن ذلك وأن الرغبة تؤدي إلى الإبداع الحضاري. بعد ذلك يأتي لفيناس ليعطي للرغبة مدلول إتيقي وينظر إليها كوسيط ضروري يؤصل العلاقة بين الأنا والآخر.

إذا ظلت السعادة فكرة غير قابلة للتحديد ومطلب كل إنسان وإذا كان كل شخص يرغب في السعادة بطبعه دون أن يحصلها فيبحث عن سعادته في كونه يرغب لغاية الرغبة. ولما كانت السعادة قيمة عقلية والرغبة شيء منفر يخص الجسد فإن التنازل عن الرغبة ضروري لتحقيق السعادة ولكن عندما تكون الرغبة هي ماهية الإنسان لا يقدر أي كان عن التنازل عنها فإنه يصبح تحقيق الرغبة السبيل نحو تحصيل السعادة . ما يعزز ذلك أن الإنسان يرغب في الحصول على السعادة بطريقة بديهية ويفهم السعادة على أنها متعة جمالية ولذة حسية، زد على ذلك قرابة الرغبة بالمخيلة وما تفتحه على ماهو ممكن وتخرجنا مماهو مغلق. إن الاستمتاع بما نحصل عليه هو أقل من الاستمتاع بما نأمل الحصول عليه لأن الإنسان لا تحصل له اللذة في ماهو موجود بل في ماهو مرغوب، إذ ليس ثمة شيء جميل إلا ماهو غير موجود  وبلد الأحلام هو الوحيد الجدير بالسكن كما بين روسو.إن الإنسان الذي يحرم من لذة الرغبة ومن لم يعد له ما يرغب فيه هو إنسان ميت يكاد يفقد كل ما يملكه ولذلك قيل:"إننا  لسنا سعداء إلا قبل أن نكون سعداء".

إن الإشباع هو توقف للرغبة وتوقف الرغبة هو تعطيل لمشروع تحصيل السعادة وبالتالي نستخلص أن السعادة الحقيقية هي في لذة الرغبة لغاية الرغبة لا لغاية الإشباع وبالتالي انه "إذا لم نكن ما نرغب فيه فعلى الأقل نرغب فيما قد يكون".تلك هي الطرق المؤدية إلى السعادة فأنى للإنسان أن يحصلها.

غير أن التحولات العميقة التي أحدثها المجتمع الاستهلاكي في البنى الذهنية للإنسان بحكم انغماسه في عالم الاستهلاك يجد نفسه مشدودا إلى نظام من الدلالات تضطره إلى البحث عن إشباعات وظيفية أقل ما تكون رمزية، ونتيجة هذه الوفرة في العلامات أصبح العالم لامعقولا يفرض علينا إغراءات بلا هوادة تؤدي إلى التساؤل عن صلاحية سعادة تمتلك وظيفة إيديولوجية فهي ليست سوى أسطورة تطمس التناقضات الاجتماعية. انه مهما بحثنا عن السعادة ببالغ العطش فإننا لن ندركها لأن الحاجات في حضارة الاستهلاك غير قابلة للإشباع وينتج عن ذلك استلاب الإنسان.

إن هذا التشخيص الإشهاري هو في صالح السوق الاقتصادية فحسب ولا يتجه إلا إلى نماذج مماثلة ومنظمة حسب مراتبية اجتماعية. وبالتالي فإن فكرة السعادة في المجتمع الاستهلاكي تقوم على الفردانية كأساس وتمارس تأثيرا إيديولوجيا وتستند على أنثربولوجيا ساذجة حول الحاجات تسمى أنثربولوجيا الميل الطبيعي.

فهل يمارس الإنسان في عصر العولمة الزهد في السعادة أم يظل رغم عدم قابليتها للتحقيق وتحولها إلى نوع من الوهم الإيديولوجي يرغب فيها؟

المراجع:

أبيقور- الرسائل والحكم، ترجمة جلال الدين سعيد، الدار العربية للكتاب، مارس 1991

أبو نصر الفارابي، كتاب التنبيه على سبيل السعادة، تحقيق جعفر آل ياسين، دار المناهل، بيروت، الطبعة الأولى 1985

أبو نصر الفارابي، كتاب تحصيل السعادة، تقديم علي أبو ملحم، دار ومكتبة الهلال،بيروت، الطبعة الأولى 1995

أبو نصر الفارابي، كتاب السياسة المدنية، سراس للنشر تونس، 1994

 

كاتب لفلسفي

 

 

نشرت في مجلة المتوسط


[1] أبو نصر الفارابي، كتاب التنبيه على سبيل السعادة، تحقيق جعفر آل ياسين، دار المناهل، بيروت، الطبعة الأولى 1985، ص77

[2] أبو نصر الفارابي، كتاب التنبيه على سبيل السعادة، تحقيق جعفر آل ياسين، دار المناهل، بيروت، الطبعة الأولى 1985، ص47 – ص48

[3] أبو نصر الفارابي، كتاب التنبيه على سبيل السعادة، تحقيق جعفر آل ياسين، دار المناهل، بيروت، الطبعة الأولى 1985، ص48 – ص49

[4] أبو نصر الفارابي، كتاب التنبيه على سبيل السعادة، تحقيق جعفر آل ياسين، دار المناهل، بيروت، الطبعة الأولى 1985، ص49

[5] أبو نصر الفارابي، كتاب السياسة المدنية، سراس للنشر تونس، 1994، ص65

[6] أبو نصر الفارابي، كتاب تحصيل السعادة، تقديم علي أبو ملحم، دار ومكتبة الهلال، الطبعة الأولى 1995، ص 97- ص 98   

 [7] أبيقور- الرسائل والحكم، ترجمة جلال الدين سعيد، الدار العربية للكتاب، مارس 1991

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية