أرسطو والاستعارة

 
أرسطو والاستعارة
 
عمر أوكان
 
1- الاستعارة والأجناس الخطابية:
 

يميز أرسطو بين خمسة أنواع من الأقاويل:

أ ـ الأقاويل البرهانية؛ وتنبني على مقدمات ضرورية، صادقة، تؤدي إلى حصول اليقين.

ب ـ الأقاويل الجدلية المنبنية على مقدمات مشهورة تحدث الظن الغالب.

ج ـ الأقاويل السفسطية التي تتأسس على أقوال مغالطة تهدف إلى عرض غير الصادق باعتباره صادقا.

د ـ الأقاويل الخطابية المؤسسة على أقوال مقبولة، محتملة، تؤدي إلى الإقناع.

هـ ـ الأقاويل الشعرية؛ وتتأسس على أقوال مخيلة تثير اللذة والمتعة.

وهو يبين أن هذه الأنواع من الخطابات (أو الصناعات) تختلف في احتياجها إلى الاستعارة؛ حيث إن البرهان والجدل والمغالطة هي أقل حاجة إلى الاستعارة من غيرها. أما الخطابة والشعر فهما أكثر حاجة إلى الاستعارة؛ لأنها تخيل في الشيء أمرا زائدا على مفهوم اللفظ.

وانطلاقا من هذا التمييز نجد أرسطو يتحدث عن الاستعارة في كتابين له فقط، هما "بويطيقا" (فن الشعر)، و"ريطوريقا" (الخطابة)؛ في حين أن كتبه الأخرى (المقولات، العبارة، القياس، البرهان، الجدل، المغالطة) لا تولي اهتماما لها.

غير أن حصر أرسطو للاستعارة في الخطابين الشعري والخطابي أمر ترفضه الدراسات الحديثة للاستعارة (خصوصا النظرية التفاعلية). فالاستعارة تحضر في سائر الخطابات، بل وفي الحياة اليومية التي تغلفها الاستعارة؛ مما يجعلنا لا نقصرها على الخطاب الأدبي دون غيره، وإنما نجعلها تمتد إلى الخطاب الرمزي (السيميائي) عموما، حيث الفكر استعارة، والحلم استعارة، واللعب استعارة، والصورة استعارة، واللون استعارة، والحركة استعارة، الخ. فالإنسان موجود في الاستعارة، وبالاستعارة يوجد الإنسان.

2 ـ بنية اللغة الاستعارية:

1.2-الاستعارة والتخييل:

يدخل أرسطو الاستعارة ضمن المحاكاة (أو التخييل) التي هي طبيعة فطرية في الإنسان، ولها يرجع الفضل في إخراج الخطاب من عالم المألوف إلى عالم غير المألوف. وهذا التخييل جوهري في الأقاويل الشعرية، ومهم في الأقاويل الخطابية، باعتبار أن الغرض من الشعر هو حصول الالتذاذ والمتعة النفسية (والجنسية)، في حين أن الغرض من الخطابة هو الإقناع الذي يمكن أن تساهم فيه الأقاويل المخيلة شريطة ألا تكون مكثفة أو غريبة أو مركبة، لأن الاستعارات المكثفة والبعيدة والمركبة تخرج بالقول الخطابي من النثر إلى الشعر. وهو ما يرفضه أرسطو من خلال نقده لجورجياس الذي حاول شعرنة النثر عن طريق استعمال الأسجاع، والطباقات، والمقابلات، والمجانسات، والترصيعات، والاستعارة، وتقويتها مما يؤدي -حسب أرسطو- إلى اختفاء الوظيفة الأساسية في النثر (التي هي الإقناع) لتبرز إلى السطح وظيفة ثانوية هي اللذة الناتجة عن التخييل. ولهذا اهتم أرسطو في كتاب الخطابة أكثر بالمرسل (من خلال إيجاد الحجج)، وبالمتلقي (من خلال التحريك والتأثير)، ولم يهتم بالرسالة إلا في القسم الأخير؛ لأنها لا تتقدم على الحجج مطلقا، ويمكن أن ترقى إلى درجتها عندما تكون محكمة الحبك ومتقنة الصنعة.

غير أن مفهوم التخييل، مثله مثل مفهوم النقل (الذي سنراه لاحقا)، يجعل من الاستعارة مفهوما واسعا، وشاملا لعدد عديد من الوجود البلاغية، إن لم يشمل الوجود البلاغية كلها؛ مما يخلق بعض الصعوبة في التمييز بين ما هو استعارة وما هو غير استعارة.

كما أن بناء الاستعارة على التخييل وربطهما معا بالخطابين الشعري والخطابي، فيه ظلم لمجموعة من الوجوه البلاغية الأخرى (كما سنرى ذلك لاحقا)، وكذلك مجموعة من الأجناس الخطابية (كما رأينا ذلك سابقا).

إضافة إلى ذلك فليس من الضروري حضور التخييل والاستعارة في القول لكي يتوفر على وظيفة شعرية (هذه الوظيفة التي تتجاوز الشعر إلى الخطابات الأخرى)، بل يمكن أن ترجع هذه الوظيفة إلى أمور أخرى غير الاستعارة، كما أن غياب الاستعارة عن الخطاب لا يعني -بالضرورة- غياب الوظيفة الشعرية عنه.

2.2-الاستعارة والنقل:

يعرف أرسطو الاستعارة باعتبارها نقلا (أو تغييرا)؛ حيث إنها "نقل اسم شيء إلى شيء آخر". ويمكن أن يفهم من هذا التعريف أن الاستعارة هي نقل دال إلى دال آخر (دال 1 = دال 2)؛ في حين أن الاستعارة هي نقل دال إلى مدلول آخر (دال 1 = مدلول 2) كما يوضح ذلك المثال الموالي:

دال 1 (/ زيد أسد/) - مدلول 1 ("زيد أسد") = مدلول 2 (>>زيد قوي<<) = دال 2 (/زيد قوي/)، أي إن دال 1 (/زيد أسد/) = مدلول 2 (>>زيد قوي<<).

ويجعل هذا النقل سواء أكان بسيطا (وهو خاص بالخطابة) أم مركبا (وهو خاص بالشعر)، الاستعارة تنقسم إلى أربعة أقسام:

أ ـ نقل من الجنس إلى النوع (ويمكن أن نسميه ذكر الجزء وإرادة الكل)،

ب ـ نقل من النوع إلى الجنس (ويمكن تسميته بذكر الكل وإرادة الجزء)،

ج ـ نقل من النوع إلى النوع (ويمكن تسميته بذكر الكل وإرادة الكل)،

د ـ نقل بالتناسب، حيث ينقل الرابع بدلا من الثاني، والثاني بدلا من الرابع، حتى تكون نسبة الاسم الثاني إلى الأول كنسبة الرابع إلى الثالث.

ومن أمثلة هذه الأقسام على التوالي:

أ ـ "هذه سفينتي قد رست"؛ لأن الرسو ضرب من الوقوف.

ب ـ "أما لقد فعل أوديسيوس عشرة آلاف مكرمة"؛ فعشرة آلاف مستعملة هنا بدل من مكرمات كثيرة.

ج ـ "امتص حياته بسيف من برونز"، استعملت "امتص" بدلا من "قطع"، وكلاهما نوع من الأخذ.

د ـ "تبذر نورها القدسي"، يسمى إلقاء الحب في الأرض بذرا وليس لإلقاء السماء بنورها علينا اسم يدل عليه، إلا أن نسبة هذا الفعل إلى الضوء هي كنسبة البذر إلى الحب.

ويجعل هذا التقسيم مفهوم الاستعارة مفهوما واسعا، ويخلطها مع مجموعة كبيرة من الوجوه البلاغية (وسنرى ذلك لاحقا)، وأقل هذا الخلط هو الجمع بينها وبين التشبيه، وأكثره عدم التمييز بين الوجوه التي تنبني على المجاورة والوجوه التي تنبني على المشابهة.

ولا يهمل أرسطو الحديث عن الوظيفة الجمالية للنقل (أو الاستعارة) حين يقرن الاستعارة بثلاث وظائف أساسية ومترابطة، وهي الإفهام والتغريب والمتعة. فجودة الإفهام في الاستعارة تعود إلى الوضوح، وتغريب القول فيها يأتي من مخالفتها للمألوف من القول، أما الإمتاع، والإلذاذ فيرجع إلى التخييل الذي يكسب القول لذة ومتعة. وهذه الوظائف الثلاث لا يمكن -حسب أرسطو- أن نستمدها مجتمعة من أي شيء آخر خلا الاستعارة. إلا أننا من جهتنا نميز بين هذه الوظائف، حيث تهيمن إحداها على الوظيفتين الأخريين حسب أجناس الخطاب ومقامات التواصل.

ويعرف مفهوم النقل الاستعارة باعتبارها انزياحا عن قاعدة، هي المسماة لغة يومية، أو لغة معيارية؛ ولهذا قيل في تعريف الاستعارة إنها قول مخرج غير مخرج العامة، وهو يجعل جماليتها كامنة في هذا الانزياح عن القول المألوف.

ولن ندخل هنا في مناقشة الأطراف المعارضة لكون الاستعارة تشكل استثناء (بقدر ما هي حد ذاتها قاعدة أو معيار). وإنما نود الإشارة إلى بعض الجوانب التي تقدح في مفهوم الاستعارة الأرسطي، وهي جوانب أضاءتها الدراسات الحديثة في الشعرية. فقد جعل أرسطو الاستعارة قائمة على الانزياح في اللفظ، نظرا لاستعماله في غير ما وضع له أصلا، إلا أنه لم ينظر هنا إلا إلى جانب من الانزياح وهو المتمثل في خرق القاعدة، في حين أن هناك جانبا آخر في الانزياح، لم يهتم به كثيرا، وتوضح مع هنريش بليث، وهو المتمثل في تقوية القواعد ومضاعفتها. إضافة إلى أن الانزياح يكون أحيانا غير ذي أثر أسلوبي؛ أي غير خالق للمفاجأة، خصوصا عندما يكون إجباريا أو متكررا أو خطأ غير مقصود، وهنا لا يمكن بالطبع الحديث عن لغة سامية أو رفيعة.

3.2-الاستعارة واللغة:

يحصر أرسطو الاستعارة في اللفظ، وهو ما جعله يدرسها في قسم العبارة، سواء في كتابه فن الشعر أو في كتابه الخطابة.

وقد تحدث أرسطو في الكتاب الأول عن أقسام العبارة التي هي كالتالي:

العبارة

   الحرف

المقطع                  الرباط               الاسم          الفعل                  التصرف      الكلام

      أصيل     لغة               استعارة     زينة         موضوع         ممدود     مقصور          مغير

    ما نستعمله  ما يستعمله       نقل اسم                لم يسبق     ما بولغ في   ما اقتطع   إذا احتفظ

      كلنا       أهل بلد          شيء إلى  Æ          لأحد        مد حرف      منه      بجزء منه

آخر            شيء آخر                استعماله      صائت فيه،             وغير جزء

                                       في هذا       أو زيد فيه                 آخر

                 المعنى         مقطع

هكذا يبدو قيام الاستعارة لدى أرسطو، على المحور الاستبدالي للغة. فهي تتعلق بكلمة معجمية واحدة (لها معنيان: حقيقي ومجازي)، وتحصل الاستعارة عند استبدال لفظة مجازية بلفظة حقيقية انطلاقا من علاقة المشابهة الرابطة بينهما سواء أكانت مشابهة حقيقية أم وهيمة؛ أي إنها تقوم على مبدإ الاختيار والانتقاء، وليس على مبدإ التوزيع والتأليف. ولهذا فهو يوصي بانتقاء اللفظ الجميل (باعتبار الاستعارة زخرفا) المعبر أكثر من غيره عن الاستعارة؛ لأن الألفاظ تتفاضل من حيث الجمال والقبح، ومن حيث التعبير عن الشيء الواحد. فاللفظ يرجع له الفضل في جعل الاستعارة جميلة الوقع على الأذن، جميلة للفهم وللعين ولأي حسن آخر. ولهذا يرى أرسطو أن قولنا "صباح وردي الأنامل" أجمل من قولنا "صباح قرمزي الأنامل" أو "صباح أحمر الأنامل". ومثل هذا التقسيم للاستعارة إلى درجات (عليا، وسطى، دنيا) كان لا يمكن أن يلد سوى عجلة فرجيل المميزة للأنواع الثلاثة من الأساليب: الرفيع والمتوسط والمنحط.

غير أن حصر أرسطو الاستعارة في اللفظ جعله لا يقدم دراسة غنية للاستعارة، فهي لا تكمن في اللفظ فقط، بل تكمن في المعنى (معنى المعنى)؛ إذ تفتح باب التأويل على مصراعيه وتطلق تعدد المعنى من أسره لإنتاج نصوص جموع. كما أنها تكمن أيضا في التركيب، أي على مستوى المحور المركبي القائم على التوزيع. فإذا كانت الاستعارة في قولنا: "أخييل أسد" قائمة على اللفظ أو المعنى، فإنها في قوله تعالى "وفجرنا الأرض عيونا" كامنة في التركيب؛ وهو ما يبدو من خلال الجمل التالية:

ـ وفجرنا عيونا الأرض.

ـ والأرض فجرنا عيونا.

ـ والأرض عيونا فجرنا.

ـ وعيونا فجرنا الأرض.

ـ وعيونا الأرض فجرنا.

لنلاحظ أن درجة الجمالية قد قلت من تركيب إلى آخر مع أن الاستعارة باقية، ولو كانت قائمة في اللفظ وحده أو في المعنى وحده لما تفاوتت درجة جمالية الاستعارة من تركيب إلى آخر.

4.2-الاستعارة والزخرف البلاغي:

تعرض البلاغة التقليدية، ومنها البلاغة الأرسطية، الاستعارة باعتبارها زخرفا. فالصور تصير جميلة بواسطة الاستعارة، وتصير أكثر جمالا إذا تضمنت مع الاستعارة مقابلة وإيقاعا وحضورا أمام النظر. وهي بذلك تأتي في الأجزاء الراكدة التي تخلو من عنصري الأخلاق والفكر (في الشعر)، ومن الحجج والتأثير (في الخطابة)؛ لتنتج براعة العبارة، وتحدث خيبة الانتظار من خلال الخروج عن المألوف الذي يبعث على الرضا والسرور كلما جاء مخالفا لما يتوقعه المتلقي.

هكذا فالوظيفة الأساسية والجوهرية للاستعارة، لدى أرسطو، هي وظيفة زخرفية. فهي لا تملك في الخطاب أي وظيفة معرفية (كما تذهب إلى ذلك النظرية التفاعلية) وإنما دورها جمالي فقط، وهي من هذا الجانب تكتسب مشروعية وجودها في الخطابين الشعري والخطابي.

غير أن الاستعارة رغم كونها تهدف إلى ذاتها، إلا أننا لا ينبغي أن نلغي الوظائف الأخرى التي يفرض السياق وحده المهيمنة منها، والتي لا ترتبط فيها الوظيفة الزخرفية بالتكثيف من الاستعارة مطلقا. هكذا فحين اعتبر أبو بكر العزاوي قول الشاعر:

فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت    وردا وعضت على العناب بالبرد

قولا زخرفيا، لم يخرج عن التصور التقليدي/الأرسطي للاستعارة. في حين أن هذا البيت الشعري يعطي رؤية ويملك قوة حجاجية تتجلى في كون دموع الحبيبة رحمة (باعتبار أن المطر رحمة)، وهي دموع أغلى من المطر؛ لأن هذا الأخير ينزل خيوطا تحيي الأرض بعد موتها، أما دموع الحبيبة فهي لآلئ تضيء حلكة ليل العاشق الحزين. كما يظهر البيت جمال المحبوبة من خلال إيراد الشاعر لاستعارات تظهر هذا الجمال (اللؤلؤ، النرجس، الورد، العناب، البرد) وهي استعارات تبلغ درجة عليا في السلم الحجاجي ويمكن على ضوئها أن نعذر الشاعر في هيامه بمحبوبته وجنونه بها، كما تظهر هذه الاستعارات من جهة أخرى للمحبوبة أن الشاعر على دراية تامة بالجمال، وأنه يملك ذوقا رفيعا يجعله جديرا بها.

وكما تكون الاستعارة حجاجا، فهي تكون كذلك رؤية للعالم. هكذا فحين يقول جبران:

أعطني النـاي وغنــي     فالغنا سر الوجــــود

وأنين الناي يبقـــــى     بعد أن يفنى الوجـود

لا يستعمل هنا "الأنين" باعتباره زخرفا، وإنما يطرح من خلال رؤية للوجود تتجلى في تقديس الرومانسية للإنسان والطبيعة إلى درجة جعلتها تؤنسن كل ما هو طبيعي، وتطبعن كل ما هو إنساني.

هكذا يبدو أن السياق وحده هو الذي يحدد إذا ما كانت الاستعارة في القول (بما في ذلك القول الأدبي) بيانا وتوضيحا، أم رؤية ومعرفة، أم تعبيرا عن الذات، أم وسيلة للإقناع، أم ملأً لفراغ اللغة وعجزها، أم غير ذلك؛ مع الإشارة إلى أن الاستعارة أحيانا لا تجلب انتباه المتلقي من حيث هي استعارة، وذلك حين تكون صفة جوهرية في الخطاب. ومثال ذلك حين تصرخ المدينة في حكايات "ألف ليلة وليلة" قائلة: "غريب، غريب"؛ إننا هنا أمام استعارة ما دامت المدينة لا تتكلم لغة البشر ولا تملك ما تتحدث به، لأنها جماد (كما توضح ذلك شجرة فورفوريوس):

  الجوهر

                         الجسم                    غير الجسم

                         المتنفس                  غير المتنفس

                           الحي                    غير الحي

                            الناطق                غير الناطق

                           تصرخ                 المدينة

 فهل هذه الاستعارة تعتبر زخرفا؟ بالطبع لا، لأنها خصوصية من خصوصيات الأدب الخارق والعجائبي، ولهذا فإن عبارة ("تصرخ" المدينة) تأخذ الدلالة الحقيقية (وليس الدلالة المجازية) للفظ، وليس من المفيد دراستها باعتبارها استعارة، وإنما ثراؤها في دراستها باعتبارها شيئا آخر غير الاستعارة.

5.2-الاستعارة والمشابهة:

يرى  أرسطو أن الاستعارة قائمة على المشابهة. ولهذا فهو لا يعتبر الاختلاف بين الاستعارة والتشبيه اختلافا كبيرا، وإنما يكمن الاختلاف بينهما في حضور أداة التشبيه في الثاني وغيابها عن الأولى؛ مما يجعل من الاستعارة تشبيها مختصرا. إلا أن أرسطو لا يشير إلى مفهوم المطابقة الذي يميز الاستعارة عن التشبيه، ويجعل منها قولا يحطم المنافرة لينسج نوعا من الملاءمة الدلالية؛ إذ ينبغي في الاستعارة الالتحام بين المستعار منه والمستعار له (أو الحامل والمحمول باصطلاحات ريتشاردز) إلى درجة يصيران فيها شيئا واحدا، مما يضطرنا حينئذ إلى القيام بعملية التأويل من أجل فك هذا التطابق وتشريحه.

ولكي نفهم هذا التطابق أكثر أشير إلى أننا في التشبيه لا نحتاج إلى التأويل لعدم احتمال القول للتعدد الدلالي بسبب اندراجه ضمن المعنى الحقيقي، أما في الاستعارة فإننا في أمس الحاجة إلى هذا التأويل الذي لولاه لما اختفت المنافرة بين الطرفين. فعندما أقول "رأيت رجلا كأنه الأسد"، فإن المتلقي يتصور إنسانا يشبه الأسد دون أن يكون هو هو. أما عندما أقول "رأيت أسدا في الحمام"، فإن متلقي الخطاب يتصور أسدا، ثم يضطر بفعل القرينة الحالية أو اللفظية (أو هما معا) إلى القيام بعملية التأويل التي تجعله يتصور بعد ذلك إنسانا آخذا لبعض صفات الأسد.

ويشير أرسطو إلى أن القدرة على رؤية التشابه إنما تكون بالرياضة في أخذه بين الأشياء المتشابهة؛ ولهذا فهو يقصر هذه القدرة على فئة معينة دون غالبية البشر، مشيرا إلى أنه لا يمكن استفادتها من الغير. غير أن هذا الرأي لا يؤكده الواقع العيني، فرؤية التشابه حتى بين الأشياء المتباينة موهبة لدى كل الناس حتى الأطفال منهم. فأنت تقول لطفلك، مثلا، حين يحدث صوتا منفرا أثناء الأكل: "لا تأكل مثل الخنازير"، ولنتصور أن هذا الطفل رأى بعد ذلك شخصا يحدث صوتا أثناء تناول إحدى الوجبات فإنه سيقول له: "أنت خنزير" أو سيهمس في أذننا "هذا خنزير". فهل هذا يتطلب عبقرية لفهم التشابه أم أن فهمه طبيعة، وليس تجربة؟ فهو موهبة لدى كل الناس بمن فيهم الأطفال؛ إنه باختصار كفاية لسانية ومعرفية.

3 - الاستعارة والوجوه البلاغية:

طرحت الاستعارة مشكلا كبيرا أمام البلاغتين القديمة والجديدة في محاولة تمييزها عن الوجوه البلاغية الأخرى. فأرسطو حين اعتبر الاستعارة نقلا أو تخييلا أو حتى زخرفا جعلها تفتح أحضانها لتشمل عددا كبيرا من الوجوه البلاغية مثل الكناية، والمجاز المرسل، والتشبيه، والمبالغة، والتمثيل، والتعريض، والسخرية، والطباقات، والألغاز، والرموز، والأمثال، وغيرها من الوجوه البلاغية إلى درجة جعلته يرجع الصور إلى الاستعارة.

ولعل هذا هو ما جعله يعتبر الاستعارة أعظم الأساليب، وآية الموهبة والعبقرية. وهو ما لا يمكن القول به في ضوء الدراسات الشعرية الحديثة؛ لأن الاستعارة هي جوهر اللغة البشرية. إنها طبيعة في اللغات الطبيعية وهو ما يمكن اكتشافه -مثلا- في "أساس البلاغة" للزمخشري، أو من خلال صيحات الباعة في الأسواق، وأحاديث النساء، ومسامرات الشباب، وسخريات السكارى، وهذيان المجانين، وشجارات المتسكعين، وتدجيلات السياسيين، وغير ذلك مما يظهر أن الاستعارة لا تدل على العبقرية ولا هي صفة من صفات الأسلوب السامي والعظيم، بقدر ما تدل على أن الإنسان حيوان استعاري؛ لأنه يحيا بالاستعارة.

وإذا كنا نقبل بما ذهب إليه أرسطو من كون أعلى الاستعارات هي تلك التي تتضمن المقابلة أو الطباق مع الإيقاع، وكذا الحضور أمام العين؛ باعتبار أن الشعرية الحديثة تؤكد بدورها على أن درجة شاعرية الاستعارة تزداد كلما صادفت أشكالا انزياحية أخرى غير الاستعارة مثل اللعب بالألفاظ، التوازيات الصوتية والخروق البصرية وغير ذلك. إلا أننا لا نقبل تفضيل الاستعارة على باقي الوجوه البلاغية الأخرى؛ لأن التداول والسياق والأجناس الخطابية، كلها تتدخل لتفرض وجها دون آخر (وهو ما أشار إليه جاكبسون -مثلا- في جعل الكناية من خصوصيات الأدب الواقعي، والاستعارة من خصوصيات الأدب الرومانسي). ومن هنا فإن تفضيل أرسطو للاستعارة على التشبيه، وتقديمها بوصفها حالة أرقى من التشبيه وأكثر رشاقة، هو شيء لا يطابق الواقع؛ وهو ما أكدته البلاغة الجديدة من خلال الدعوة إلى بعث التشبيه وإعادة الاعتبار له. فرغم كون التشبيه لا يشكل انزياحا، ورغم كونه عبارة مسهبة (كما يقول أرسطو) إلا أن ذلك ليس سببا كافيا لتفضيل الاستعارة عليه. فلو أن شخصا وصف زيدا بالسرعة فقال "مر كالبرق"، وجاء شخص آخر فقال "طار"؛ فلا يمكن تفضيل أي من القولين ماداما قد عبرا عن نفس الواقعة بنفس الدقة.

4 - الاستعارة، الوزن، الإيقاع:

يقدم أرسطو الاستعارة على الوزن. فالشعر عنده ليس هو الكلام الموزون المقفى، بقدر ما هو الكلام المخيل والموزون. فالتخييل (ومنه الاستعارة) يأتي في الدرجة الأولى؛ مما يجعله يفوق الوزن في تحديد شاعرية القول. غير أن أرسطو إذا كان يقبل الوزن في الأقاويل الشعرية فإنه يرفضه رفضا باتا في الأقاويل الخطابية، لأنه يصرف انتباه السامع ليوجهه إلى ترقب عودة سياق الوزن، ويبعده عن الموضوع والتفكير فيه، إضافة إلى دلالته على التكلف (والتكلف يحدث المتعة لكنه لا يحدث الإقناع). ورفض أرسطو للوزن في الخطابة لا يعني رفضه للإيقاع الذي لا يفرض على الخطيب الالتزام به بدقة، بل بشكل نسبي.

وإذا كانت الاستعارة في الأقاويل الخطبة أقل درجة من البرهان والحجة والدليل والضمير والمثال وغيرها، فإنها في الأقاويل الشعرية والخطابية أعلى درجة من الوزن والإيقاع.

5 - حجاجية الاستعارة:

يميز أرسطو بين ثلاثة أنواع من الاستعارات هي الاستعارة الجمهورية، والاستعارة الشعرية، والاستعارة الحجاجية. وقد أقمنا هذا التمييز انطلاقا من مقام التواصل اليومي للخطاب؛ فإذا كان الخطاب يهدف إلى الإقناع يكون حجاجيا، وحين يهدف إلى المتعة يكون شعريا، وحين يهدف إلى الإبلاغ يكون عاديا (متداولا). ومن هنا فالاستعارة الجمهورية تهدف إلى الإبلاغ، والاستعارة الحجاجية تهدف إلى إحداث تغيير في الموقف العاطفي أو الفكري للمتلقي، في حين أن الاستعارة الشعرية لا تهدف إلا إلى ذاتها ولا تحيل إلا على ذاتها.

1.5-الاستعارة الجمهورية:

الاستعارة الجمهورية هي الاستعارة التي صارت متداولة بين الجمهور نتيجة التكرار وكثرة الاستعمال، إلى درجة أنها استهلكت وتهالكت، وبذلك فقدت شحنتها التأثيرية لبلوغها الدرجة الصفر للأسلوب، ولم يبق لها من وظيفة سوى الوظيفة الإبلاغية نتيجة ما يسميه ريفاتير بـ"التشبع" الذي جعلها تدخل في صف القول العادي والمألوف، فقد صارت شائعة إلى درجة جعلتها سوقية. ولذلك عبرت عنها البلاغة الغربية بالاستعارة الميتة (وجعلت منها الاستعارة المبتذلة التي تختفي فيها المفارقة بين المستعار له والمستعار منه نتيجة العادة، والاستعارة الاضطرارية التي تغطي نقصا في الحياة اليومية، والاستعارة الملفقة التي تؤلف بين استعارات غير صحيحة). ولا تنتج هذه الاستعارة إقناعا ولا لذة في ذاتها، لأنها لا تملك قوة حجاجية ولا روحا تخييلية، نتيجة افتقادها لعنصر المفاجأة الذي يقصره أرسطو على الغرابة.

2.5-الاستعارة الشعرية:

لا تهدف الاستعارة الشعرية إلى شيء خارج عن ذاتها، كما أنها لا تحيل إلا على ذاتها. وهي تتكون من الاستعارات المركبة والاستعارات المخترعة والاستعارات البعيدة التي إذا حضرت في القول الخطبي حادت به الخطابة إلى الشعر، وبذلك تفشل فيها الوظيفة الإقناعية.

3.5-الاستعارة الحجاجية:

تعرف الاستعارة الحجاجية بكونها تلك الاستعارة التي تهدف إلى إحداث تغيير في الموقف الفكري أو العاطفي للمتلقي. ويعرضها أرسطو باعتبارها ليست مظهرا داخليا في الخطابة لما اهتم بها أرسطو في الخطابة، لأن أي شيء آخر، حسب رأيه إلى جانب البرهان يعتبر فيها نافلة وحشوا.

وهو ينصح الخطيب بالاعتناء بها جيدا؛ لأن موارد النثر أقل من موارد الشعر وأضيق. ولهذا السبب يلح أرسطو على استعمال الاستعارات البسيطة والقريبة والواضحة وضوحا تاما، والغريبة بشكل يستر غرابتها حتى لا تظهر بمظهر التكلف، كيلا يرتاب فيها المتلقي، لأن ما هو متكلف يلغي الإقناع، وإنما يؤدي إليه ما هو طبيعي. كما ينصحه بعدم الإكثار منها لأن الإفراط فيها يخرج بها من الاستعارة الحجاجية إلى الاستعارة الشعرية، ويخرج بالخطاب أيضا من جنس الخطابة إلى جنس الشعر، وهو ما آخذه أرسطو على جورجياس.

6 - الاستعارة بين بين:

1.6-الاستعارة بين الغرابة والألفة:

تعتبر الغرابة لدى أرسطو من أهم مزايا الأسلوب؛ لأنها تخرج بالقول عن المألوف وتعطيه أمرا زائدا لموقع الغرابة فيه. لهذا نلفي أرسطو ينصح بإضفاء طابع الغرابة على اللغة حتى تصير لغة رفيعة، لأن ما هو غريب يثير الإعجاب، وما يثير الإعجاب يحقق السرور والمتعة.

والغرابة مناسبة في الشعر، لأن موضوعاته وأشخاصه هي خارجة عن المألوف. بينما هي في الخطابة (النثر) غير مناسبة إلا في أحوال قليلة؛ لذلك ينبغي سترها حتى لا تظهر بمظهر التكلف بل بمظهر ما هو طبيعي، لأن ما هو طبيعي يحقق الإقناع في حين أن ما هو متكلف يدعو إلى الريبة والحذر، خصوصا إذا كان مفرطا فيه بسبب أن الإفراط يدل على الصنعة ويجعل الخطاب شعرا (أو قريبا من الشعر). وهذه الطبيعة في الاستعارة تبرز من خلال القصد في الغرابة (المنزلة بين المنزلتين) لأن غيابها رطانة، والإكثار منها ينتج الغموض.

2.6-الاستعارة بين الغموض الوضوح:

يعتبر الوضوح كذلك من أهم مزايا الأسلوب لدى أرسطو، فهو طبيعة جوهرية في الاستعارة لأنها تعطي أكثر من غيرها، حسب رأيه، الوضوح والمتعة والطابع الغريب. وبغياب الوضوح عن الكلام يخفق الخطاب في تأدية وظيفته الخاصة (الإمتاع في الشعر، الإقناع في الخطابة) بسبب الغموض الناتج عن عدم وضوح المعنى للمتلقي (ونجد موقفا شبيها بهذا الموقف الأرسطي لدى كوهن الذي هاجم السريالية باعتبارها المسؤولة عن الطلاق الذي حصل بين الشعر والقارئ بسبب لغتها التي تقترب من اللغة غير المعقولة نتيجة غموضها). وهنا يقيم أرسطو علاقة جدلية بين الغموض والتكلف، فالكلمات إذا كانت متكلفة فهي بالضرورة غامضة. كما أنه يربط، من جهة أخرى، بين الوضوح والحضور أمام العين، فالاستعارة تكون جذابة إذا وضعت الأشياء أمام العيون (مشاهدة ما حدث بدل مشاهدة ما سيحدث، بواسطة الكلمات التي تدل على الحضور الفعال، وذلك حين يتكلم الجماد: الصخرة التي لا ترحم/طار السهم/والسهم متعطش للطيران، وفي الإثر وثب اليونانيون)، أي حين تصور الأشياء غير الحية على أساس أنها حية من خلال إضفاء طابع الحركة والحياة عليها.

هكذا يبدو الوضوح باعتباره مركز القوة الحجاجية في الاستعارة شريطة عدم الإفراط فيه حتى لا يدخل الخطاب الخطابي في الشعرية. وبناء عليه فقاعدة الاستعارة لدى أرسطو هي أن تكون واضحة دون أن تكون مبتذلة، وأن تكون غريبة دون أن تكون غير مفهومة.

3.6-الاستعارة بين الكثرة والقلة:

الدور الرئيسي للاستعارة، حسب أرسطو، هو أولا وأخيرا  دور زخرفي، فهي قبل أن تحدث الإقناع ناتجة عن التخييل الذي يحدث البهجة والسرور. وهذا هو السبب في أن الصناعة الشعرية تستعمل منها ما هو أكثر تخييلا، بينما تستعمل الصناعة الخطابية من ذلك ما هو أقل، وبمقدار ما يليق بها مما يحدث الإقناع.

غير أن أرسطو لا ينصح بالإكثار من الاستعارة في كلا الجنسين الخطابيين (الشعر والخطابة)، مشيرا إلى أنها يمكن أن تكون أكثر في الشعر منها في النثر الذي يطلب فيه الاعتدال والتقليل. فلماذا هذا الرفض من طرف أرسطو؟

هناك، لدى أرسطو، سببان يفرضان عدم الإكثار من الاستعارة:

أولهما أن الإكثار منها يؤدي إلى غموض القول، والغموض يؤدي، بدوره، إلى عدم الفهم (في الشعر) وإلغاء الإقناع (في النثر).

أما الآخر فيكمن في أن "الاستعارة لا تظهر قيمتها بجانب استعارة أخرى، بل لا تظهر قيمتها الجمالية (وحتى الحجاجية) إلا في مجاورتها لقول مألوف (مخرج مخرج العادة) بما أنها في جوهرها قول غير مألوف (مخرج غير مخرج العادة)؛ لأنه بضدها تعرف الأشياء، مما يؤدي إلى خرق أفق انتظار المتلقي وإحداث مفاجأة ناتجة عن التنوع (تولد اللامنتظر من المنتظر) لأن الرتابة لا تؤدي إلا إلى الملل والنفور وليس إلى الإمتاع أو الإقناع.

وبناء عليه فالإكثار من الاستعارة في القول يجعله خارجا عن الأقوال الخطبية وداخلا في الأقوال الشعرية، مثلما أن الإكثار من الأقاويل الإقناعية في الشعر يخرجه من الشعر إلى مجال الخطابة. ولهذا السبب نجد أرسطو ينتقد بروثاغوراس بشدة الذي حاول تقريب الخطابة من الشعر.

كما أن الإفراط في استعمال الاستعارة يخرج القول من الأقوال الخطابية أو الشعرية إلى الإلغاز الذي هو التأليف بين أمور واقعة على وجه يجعلها مستحيلة. في حين أن غيابها عن القول يخرجه من الأقوال الخطبية أو الشعرية إلى الابتذال الكامن في اللغة العادية أو في الاستعارة المتداولة (الجمهورية).

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو التالي: هل غياب الاستعارة كليا يعني إلغاء جمالية القول أو حجاجيته؟ إن أرسطو يرى ذلك فعلا حين يؤكد على حضور الاستعارة في كلا الجنسين الخطابين دون غيرهما من الأجناس الأخرى. إلا أننا من جهتنا لا نرى ذلك.

إننا حين نتأمل قول الأعشى:

إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا      أو تنزلون فإنا معشر نزل

نلفي غياب الاستعارة، إلا أن غيابها لا يلغي الوظيفة الشعرية عن هذا البيت الذي تتجلى في التقسيم:

إن تركبوا فـ…

أو تنزلون فـ…

ويمكن أن نعبر عن ذلك أيضا كالتالي:

إن ـــــــــــــ أو

تركبوا ـــــــــــــ تنزلون

فـ ــــــــــــــ فـ

ركوب ــــــــــــــ إنا

الخيل ـــــــــــ معشر

عادتنا ـــــــــــ نزل

وفي الاشتقاق (تركبوا - ركوب/تنزلون - نزل)، وتكرار الأصوات (الهمزة 3، الباء 2، الراء 3، الكاف 2، الفاء 2، اللام 3، النون 3)، وكذلك في عدم اختلاف عروض البيت عن ضربه تفاعيل ومقاطع وزحافات:

إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا     أو تنزلون فإنا معشر نــــــزل

00 - 0 - - 000 - 0 - - 0     0 - 0 - - 000 - 0 - - 0

مستفعلن فعلـن مستفعلـن فعلـن    مستفعلـن فعلـن مستفعلـن فعلن

وإذا انتقلنا من الخطاب الشعري إلى الخطاب الخطبي فإننا نجد أن غياب الاستعارة لا يلغي الوظيفة الإقناعية عن القول الخطبي. ومثال ذلك قول واصل بن عطاء في بشار بن برد: "أما لهذا الأعمى الملحد المشنف المكنى بأبي معاذ من يقتله. أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ويقتله في جوف منزله وفي يوم حفله، ثم كان لا يتولى ذلك إلا عقيلي أو سدوسي".

إن حجاجية هذا القول لا تكمن في الاستعارة ولا في الأدلة والبراهين لغياب ذلك كله في هذه الخطبة، وإنما تأتيها الوظيفة الإقناعية من اجتناب حرف الراء في المقول؛ لأن المتكلم ألثغ بالراء فلو أنها ذكرها لأحدث نفورا في تلقي السامع، وبذلك تفقد شحنتها التأثيرية (الإقناعية)، وبتجنبها يحصل على إعجاب المتلقي ويحدث تأثيرا فيه من خلال الانتقاء بين مجموعة من الاستبدالات هي كالتالي:

 

أبو معاذ ــــــــــ ابن برد أو بشار

المشنف ــــــــــ المرعث

الملحد ـــــــــــــ الكافر

الغالية ـــــــــــــ المنصورية أو المغيرية

بعثت ــــــــــــ أرسلت

يبعج ــــــــــــ يبقر

مضجعه ـــــــــ فراشه

جوف ــــــــــ قعر

منزله ــــــــــ داره

حفله ـــــــــــ عرسه

4.6-الاستعارة بين الجودة والابتذال:

تكمن جودة الاستعارة لدى أرسطو في الوضوح والغرابة والتنوع بين الكثرة والقلة (لا قليلة ولا كثيرة، وإنما المنزلة بين المنزلتين) أما إذا كانت الاستعارة فقيرة وسوقية (غير مخيلة) ومجاوزة القدر الذي ينبغي لها بحسب المعنى الذي يطلب الإقناع (في الخطابة) والإمتاع به (في الشعر) فإنها حينئذ تكون مبتذلة.

إضافة إلى ذلك فإنه ينبغي الاعتناء بها في الأجزاء الراكدة التي تخلو من عنصري الأخلاق والفكر وإهمالها في الأماكن التي يوجد بها هذان العنصران حتى لا تطمسهما، وإلا خرجت الاستعارة من الجودة إلى الابتذال في الأقوال الخطابية، بينما جودتها في الأقاويل الشعرية كامن في مصاحبة وجوه أخرى لها وحضور أمام العين 

المراجع:

ـ ابن رشد: تلخيص الخطاب، تحقيق عبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت/دار القلم، بيروت، بدون تاريخ.

تلخيص كتاب الشعر، تحقيق تشارلس بترورث وأحمد عبد المجيد هريدي، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 1987.

تلخيص كتاب الشعر، تحقيق عبد الرحمان بدوي، دار الثقافة، بيروت، ب. تاريخ.

ـ أرسطو: الخطابة، ترجمة عبد الرحمان بدوي، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980.

فن الشعر، ترجمة عبد الرحمان بدوي، دار الثقافة، بيروت، بدون تاريخ.

فن الشعر، ترجمة شكري محمد عياد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1993.

فن الشعر، ترجمة متى بن يونس، تحقيق شكري محمد عياد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1993.

فن الشعر، ترجمة متى بن يونس، تحقيق عبد الرحمان بدوي، دار الثقافة، بيروت، ب.تاريخ.

ـ بارت رولان: قراءة جديدة للبلاغة القديمة، ترجمة عمر أوكان، أفريقيا الشرق، البيضاء، 1994.

ـ بليث هنريش: البلاغة والأسلوبية: نحو نموذج سيميائي لتحليل النص، ترجمة محمد العمري، منشورات دراسات سال، البيضاء، 1989.

ـ الجرجاني عبد القاهر: دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة 1984.

ـ ريتشاردز أ.أ: (فلسفة البلاغة)، ترجمة ناصر حلاوي وسعيد الغانمي، ضمن العرب والفكر العالمي، العددان الثالث عشر والرابع عشر، ربيع 1991، حركة الإنماء القومي، بيروت.

ـ العزاوي أبو بكر: (نحو مقاربة حجاجية للاستعارة)، ضمن المناظرة، العدد 64، السنة 2، مايو 1991، الرباط.

ـ كوهن جان: بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال، البيضاء، 1986.

ـ لوجون ميشيل: (الاستعارة والحجاج)، ضمن المناظرة العدد 64، السنة 68، مايو 1991، الرباط.

ـ مفتاح محمد: مجهول البيان، دار توبقال للنشر، البيضاء، 1990.

ـ مورو فرانسوا: البلاغة: المدخل لدراسة الصور البيانية، ترجمة محمد الولي وعائشة جرير، منشورات الحوار الأكاديمي والجامعي، البيضاء، 1989

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية