في خصائص العقلية العلمية

في خصائص العقلية العلمية

ابن محمد قسطاني

وهو موضوع ناقشته الفلسفة الغربية بشقيها الحداثي وما بعد الحداثي، تارة برزانة ودقة وأخرى بغلو ومذهبية تسرب الكثير منهما إلى الثقافة العربية-الإسلامية عامة والمغربية خاصة. وقد اتخذ التأثر ذلك أحيانا أشكال مشوهة تدعو إلى التشكيك في العقل وقدرته على إنتاج الحقيقة، دون فهم أن ما بعد الحداثة لا يخرج منطقيا من مجال الحداثة نفسها وأنها –أي ما بعد الحداثة- ليست سوى محطة نقدية للمذهبية العقلية والعلموية وأوثان العقل، دون السقوط في تساوي الكل مع الكل في عدمية لا يمكن أن تفسر إلا بضعف الإدراك والفهم وعدم القدرة على التسليم بتراتبية الاشتغال العقلي نفسه إرادة وتبنيا ونية واستضمارا واجتهادا.

تلك هي المسوغات العملية للعودة إلى موضوع قديم-جديد لا زال لم يفقد راهنيته في زمن عطالة الفكر السليم والعمل وفقه والتي لازلنا نعاني منها.

في أفق كل ذلك سنحاول فحص الدعائم العقلية إن على مستوى إنتاجها لمعارفها أم على مستوى ما يترتب عن ذلك أخلاقيا من تصريف يومي ينعت بالعقلانية والترشيد بدل التلقائية والفوضى، وبعدها اقتراح شروط ملازمة للعملية العلمية على شكل فروض استوحيناها من التأمل في تاريخ العلوم عامة والمنطق والرياضيات خاصة.

لن نخوض في كل الحيثيات العلمية وشروط إقامة معرفة عقلية رصينة لأن المقام لا يسمح بذلك، وسنقتصر على فحص المنطلقات وأشكال الاستدلال.

يمكن اعتبار الأولية L’axiome المنطلق البؤري لكل معرفة علمية منطقية فما هي الأولية؟

تطلق لفظة أكسيوم كلاسيكيا على القضايا البديهية والتي ليست بحاجة إلى برهان، على عكس المسلمات Postulats غير القابلة للبرهنة، والتي رغم ذلك ضرورية لكل برهان[2]. وقد كان هذا التمييز ممكنا نظرا للتصور القبلي للرياضيات والذي كان ينطلق من كونية الحقائق. ولم يزعزع هذا التصور غير الهندسات اللا أقليدية وبذلك ستصبح الأوليات كالمسلمات تعاريف مقنعة ومواضعات[3].

ولئن استعارت الرياضيات المعاصرة مفهوم الأكسيوم من الرياضيات اليونانية، فإنما لتهبه دلالة مختلفة، إنها قضايا متفق عليها قبليا، وبوعي وتصريح من أجل بناء معمار ما، وبذلك أصبحت الأوليات تشمل المسلمات والبديهيات والتعاريف. إنها كل معطى غير مبرهن اتخذ كأساس لكل نسق استنتاجي[4]، وبذلك اندمجت الرياضيات مع المنطق.

إن الأكسيوماتيك كتوجه إبستيمولوجي سيعطي مدلولا جديدا للعلم كله، حيث لم يعد العلم بحثا في عقل كوني سابق تجب العودة إليه واكتشافه، ولا المطابقة مع البداهة الكونية ولا الملائمة مع الواقع حتى، بل سيصبح العلم إنشاء أنساق معرفية متواضعة، معيارها عدم تناقض نتائجها مع منطلاقاتها وأولياتها، الأمر الذي أعطى المرونة والإجرائية لمفهوم العلم، تلك المرونة التي ستصبح نموذجية حتى للعلوم الإنسانية بل وللفلسفة نفسها.

وحتى نفهم الاشتغال الأكسيومي، يجدر بنا أن نرجع إلى دلالة الاستدلال. ليس الاستدلال Le raisonnement  سوى طريقة تستعمل من أجل تبرير قضية، وتبرير قضية ليس سوى ربطها بقضايا سبق قبولها[5]، وهذا هو الاستنتاج أو الاستنباط La déduction. والغاية هنا هي الوصول إلى معارف حقيقية، وهي مهمة علم المنطق، تميزا عن الحجاج L’argumentation الذي هو فن الإقناع، أما البرهان La démonstration فهو استدلال يقيني بتعبير ابن رشد. تلك هي الآليات الذهنية التي يشتغل بها العقل العلمي، فكيف تتصرف أخلاقيا ويوميا أو من المفروض أن تتصرف على الأقل؟

يرفض السلوك العلمي الماضوية لأنه تطور وتقدم مستمرين، كما يرفض التزمت لأنه انفتاح وبناء وإنشاء، لكن كل ذلك دون السقوط في الانتهازية والميوعة واللعب على الحبال. يدعو العقل السليم إلى الالتزام بالواجب واحترام الرأي الآخر والتصرف وفق الانضباط، وهي كلها صفات العقل السطرجي المبني على الترشيد والتنظيم والاقتصاد، ضدا على التلقائية والفوضى وردود الأفعال والتبذير والاعتقاد بالغرائبي والسحري. إلا أن أخطر ما يتهدد السلوك العلمي عندنا مزالق المؤسسة التي ترى سوسيولوجيا العلم أنها أصبحت تشبه نوعا من النبالة، إذ الانتماء إلى فئة نافذة ما يمكن أن تعطي المصداقية كما أنه يمكن أن تعطي مصداقية مزعومة ومتوهمة، ومن هنا حاجة البناء البيداغوجي العلمي برمته إلى التفكير العلمي وأخذ الأمر بمحمل الجد واعتبار المصداقية بالإنتاج وليس بالألقاب والأسماء.

يعتبر العلم معرفة مفاهيمية منطقية غير مباشرة وبوسائط، أما الحس المشترك فهو معرفة مباشرة، معرفة بدون قواعد كما يقول باسكال. إن الاختلاف بين المعرفتين ليحيل إلى الشروط السوسيولوجية والتاريخية لهما.

لقد ظهر الحساب والعد في المجتمعات التجارية، بابل والفنيقيين، وظهرت الهندسة في المجتمعات ذات الاستقرار القديم والزراعة المهددة بالجفاف، مصر، وظهرت الفلسفة والمنطق كفنون إقناع في المجتمعات السياسية الخطابية، اليونان، أما المجتمعات ذات الوفرة الطبيعية، آسيا وإفريقيا وأمريكا، فقد بقيت مجتمعات حدوس وتذكر وقوة ملاحظة كيفية وشعر واستعارة. إن الراعي والصياد والمتوحد لا حاجة لهم إلى رياضيات (حي بن يقظان، روبانسون كروزوي) ولا إلى حجاج ولا إلى استدلال لأنه وببساطة هناك غياب المحاور الذي يستوجب الإقناع والحوار والمناقشة.

مع غاليلي سيتغير كل شيء: "الطبيعة كتاب مكتوب بأحرف رياضية، لا يستطيع قراءته إلا من كان رياضيا". ومع الثورة الصناعية وبعدها المعلوماتية ستصبح المفهمة المنطقية والتجريد والترميز، ليس اختزالا واختصارا فحسب، بل لغة لا بد منها حتى يتم التواصل الذي يكاد يكون الآن يوميا مع الحاسوب والأنترنيت وبرامجها.

انطلاقا مما سبق ما هي الشروط المحايثة للعقلية العلمية؟[6].

1 – العلم ظاهرة ثقافية غير معيارية إذا نظر إليها من زاوية الذكاء الإنساني، لكنها معيارية إذا نظر إليها من زاوية تجاوز الخطأ والتنقيح المستمرين، La science est un processus de perfectionnement. ومن هنا أهمية الربط بين الديموقراطية والاعتراف بالتراتبية المعرفية في نفس الوقت.

2 – لا تؤسس العقلية العلمية إلا بالاعتقاد بإمكانية التأسيس، بل وبوجود الحقيقة. لا يمكن أن نتحدث عن رياضيات طاليس وفيثاغوراس وأقليدس ومنطق أرسطو، إلا عند استحضار نضال كل هؤلاء ضد الأسطورة كمعرفة متشظية والسفسطة كتهريج ولعبة أغاليط. كما لا يمكن أن تتم تلك المناضلة إلا باعتقاد وجود عقلي وحقيقة كونيين سابقين يمكن الاعتماد عليهما في هدم أشباه المعرفة، ومن هنا أهمية الاعتقاد بالحقيقة كعامل غير علمي مؤسس للعلم.

3 – لا علم إلا بالإجرائية، ولا تعني هنا الإجرائية العملية التطبيقية التقنية فحسب، بل والإجرائية العقلية نفسها. فالحقائق الكبرى محتاجة أحيانا إلى تجاوزات منطقية، ومن ثمة أهمية المرونة العقلية كرياضة غير منطقية بما فيه الكفاية لكنها ضرورية للمنطق، "إننا نضحي بنصف العلم من أجل النصف الآخر"، يقول باشلار.

4 – العلم ظاهرة تاريخية زمنية نسبية، ومن ثمة أهمية الخطأ والتجاوز، بل والاستعداد لهما على أن الأنساق العلمية افتراضية ليس إلا.

5 – العلم مشروع، بكل ما تعنيه هذه اللفظة من ضرورة امتلاك تصور شامل ومتجانس رغم عدم الضبط التام لجميع الحيثيات، مشروع يدعو إلى الالتفاف حول الحقيقة، التفاف فردي ودعوة الأذهان الأخرى إلى الالتفاف.

 

خاتمة:

ليست العقلية العلمية معطى يجب اقتناؤه، ولا معرفة جاهزة يمكن تنقيلها آليا من سياق إلى آخر. إنها تربية استراتيجية وتوجه نحو الحقيقة ومناضلة يومية وشاملة ترتبط بآليات ذهنية معقدة وعضوية وبآليات اجتماعية متداخلة تساهم كل واحدة من موقعها على القبض بناصية المعاني والدلالات الإيجابية نحو الانفتاح والمرونة والتسامح ونبذ العنف والإقصاء والإقصاء المضاد. ولن يتأتى كل ذلك إلا بتجاوز، أو التحجيم على الأقل، للآليات التبريرية مثل السحر والإسقاط والبقاء عند مستوى الكلام، بل وضرورة تجاوز حتى الأشكال الرديئة من العلم والأشكال البئيسة من الفلسفة والمذهبية الضيقة، نحو التخصص الواعي التفكيكي، المؤمن، ورغم ذلك، بالعودة إلى التركيب والنظرة الشمولية.

إن إنتاج العقلية العلمية يبدأ بمعرفة دقيقة وعلمية بعوالم الفرد والطفل خاصة، وبمؤسسات المجتمع الشبه الطبيعية منها مثل الأسرة والمصطنعة كالمدرسة والجامعة، من أجل صياغة مواثيق استراتيجية مفتوحة كمواضعات أولية تستطيع بالمشاورة وتبادل الرأي أن تتجنب كثيرا من الخطأ نحو تصريف أفعال وسلوكات رشيدة تضمن قدرا كافيا من التنمية الذهنية نحو تنمية شاملةg

 



[1] - الوضعية المنطقية كنموذج، وكارناب بالأخص…

[2]  - Encyclopédie du Monde Actuel, Livre de poche, 1977, pp54-55.

[3]  - Idem.

[4]  - Ibidem.

[5]  - Vergez, Andre, Hutsman, Denis, Court traité de connaissance, Fernan Nathan, 1969, pp125-145.

[6] - أنظر: البعزاتي بناصر، كتاب الاستدلال والبناء، دار الأمان، الرباط، 1999.

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية