الحوارية في علم الأدب - باختين: الحوار يضاهي العلوم السيميائية -

 
 
الحوارية في علم الأدب - باختين: الحوار يضاهي العلوم السيميائية -
 
عدنان المبارك

 

 


في مدينة أنتوربن عاصمة أوربا الثقافية لعام 1993 توضع حاليا اللمسات الأخيرة علي مبني المضيف العراقي (أقدم نموذج للمعمار المدني في التاريخ).
وسيستقبل الناس كما استقبلوا علي الدوام في المضايف والقري. ستعاد تقاليد الضيافة، في اطار مسرحي. افتتاح العروض ستتم في مهرجان المسرح السنوي البلجيكي الهولندي في المركز الثقافي العالمي deSingel، وتستمر لمدة أسبوع بدءا من 28 اب (اغسطس) 2003 في الساعة الثامنة مساء.
ليس مصادفة أن يبني المضيف الآن. ذلك أن مهرجان المسرح السنوي البلجيكي الهولندي قرر أن يستضيف عمل الفنان العراقي حازم كمال الدين الأخير (العدادة) بعد نجاحه الكبير في الموسم المسرحي المنصرم. وقد وجد المخرج والمؤلف والسينوغراف كمال الدين في هذه الفرصة الثمينة فضاء لتحقيق حلم راوده منذ سنوات طويلة، حلم إضاءة تراث سومر الحي (بيت القصب).
يعد الحوار من الآليات الرئيسة لوظائفية الثقافة والفكر في المجتمع. فهو يشيّد إحدي أهم محطات الإتصال المتبادل بين الناس، وبدونه تبطؤ أو تتجمد الأنشطة الأجتماعية علي شتي أصعدتها ــ الجماعية والفردية. أكيد أن للحوار شتي الصيغ والهيئات. ومن مثل هذا المنطلق تكون الثقافة أو بالأحري الثقافات نوعا خاصا من حوار الحوارات الذي يتيح سبر كنهها. وكان ميخائيل باختين من أوائل الباحثين المعاصرين الذي كرس الإهتمام والجهد لثيمة الحوار. وعن حق عدّت نصوص باختين مواصلة باهرة لما أنجز منذ عصر أفلاطون وأرسطو. ذكر، مثلا، أن الحوار هو (ظاهرة عامة تقريبا ولا تنفصل عن النطق البشري وشتي تجارب الإتصال بين الناس وأشكاله، وعن كل ما يملك معني ودلالة وحيث يبدأ الوعي يبدأ الحوار) (1). كان باختين مقتنعا بفكرة خلق علم إنسي جديد: علم الحوار. وقد وجده يضاهي علوما مثلا السيميائية وما أسماه بعلم الآيديولوجيات. فعلوم كهذه معنية بإشكاليات الحوار ولكن في نطاقاتها التخصصية. بالطبع يكون التقارب الأكبر بين الحوار والجدلية (الديالكتيك). فجدلية إفلاطون التي تحوي نظريته صارت تعد اليوم علما قريبا من علم الحوار. ومفهوم أن يكون الديالكتيك أوسع نطاقا من الحوارية. فأنغلز مثلا يجد أن الديالكتيك هو (علم مكرس للقوانين العامة لحركة وتطور الطبيعة والمجتمع البشري والتفكير) (2). أما الحوارية فتكتفي بالتفرغ للقوانين الملزمة في التفكير وجزئيا في المجتمع، إلا أنها تكون علما ذا مكانة خاصة بالنسبة للديالكتيك الذي تمدّه بقدرلا يستهان به من المعرفة عن القوانين السارية في عالم الإنسان وعن وعيه أيضا. كذلك تستمد الحوارية بعض آلياتها من نظريات الشعرية. ويقترح الباحث الأدبي البولندي المعروف يوجين تشابليفتش الأخذ بسبع من هذه النظريات. الأولي هي الشكلية. وتحدد الحوار وفق معايير معينة مثل عدد الأشخاص المتكلمين، في العمل الأدبي، وإسهامهم الكمّي أي قدر الكلام. والثانية هي الشكلانية التي تفهم الحوار كبنية لغوية خاصة قد تظهر في أشكال أخري للطرح، في المونولوغ مثلا. والثالثة هي الثيمية التي تعتبر المسألة الأكثر أهمية في الحوار بناء الثيمة وتطويرها. وكان سيرغي باوخاتي أبرز ممثل لهذه المدرسة (3). والرابعة سمّيت بالسيميائية وأرسيت مقولتها علي التعارض القائم في الحوار بين (الأنا) والـ(أنت)، كما تستفيد هي من أهمية مختلف الأشكال النحوية. وممثلها البارز يان مكاروفسكي الأسم الكبير في مدرسة براغ الألسنية وأحد خالقي ما يسمي بالبنيوية التشيكية. والرابعة عرفت بإسم (المثالية الجديدة) التي وجدت أن الكلام هو بالأساس محادثة وحتي لو تحادث أكثر من شخص واحد فإنها تجري بالدرجة الرئيسية في داخل كل (شخص) وأطرافها هي أدوار حسب، وبذلك (يلعب في المحادثة دورا جوهريا وليس الأشخاص بل عدد من العوامل مثل التحسس والتفكير والكلام والفهم والسمع والإجابة. وتفترض اللغة التي تجري بواسطتها المحادثة، حضورأشخاص كثيرين وإحتكاكهم في ما بينهم) (4). أما السادسة فتسمي بالآيديولوجية التي تتعامل مع الحوار كإلتقاء أو تفاعل أوتصادم لوجهات نظر ومواقف عقائدية ذات دوافع براغماتية مختلفة الشدة. وباختين يمثل هذه النزعة. وسميّت السابعة بالوظائفية. ونظرت الي الحوار كحلبة تبادل للأفكار بين شخصين علي الأقل.

المرويّة صورة فنية لعلاقة الإنسان بالعالم
في كتابه (قضايا شعرية دوستوييفسكي) يقوم باختين بتحليل عميق وليس فقط للطابع الحواري في صنف معيّن من النثر الروائي الذي أسماه بالرواية البوليفونية بل هناك الأصل الحواري لهذا الصنف. وفي كتابه (الكلمة في الرواية) إعتبر الرواية ذلك الخلق الذي يتحقق فيه الحوار بأكمل أشكاله. والأكثر من ذلك يرسم هذا الباحث الروسي رؤيا واضحة لتأريخ الحوار داخل تأريخ الرواية الأوروبية. ومما لاشك فيه أن باختين تناول هذه الإشكالية في عمله الضخم عن الرواية التعليمية (الوعظية) التي لم يبق منها غير دراسته بعنوان (أشكال الزمن والهرونوتوب في الرواية) (5). في هذه الدراسة ينظر باختين الي الحوار في تطور الرواية من موقع آخر ليس هو الأسلوب بل المروّية كصورة فنية لعلاقة الإنسان بالعالم. وفي كتابه (إبداع فرانسوا رابيليه) إعتبر الثقافة حوارا وجد تحولا تاريخيا له في مسيرة الرواية الأوروبية. ولم يقتصر بحثه علي الرواية المتعددة الأصوات (رواية دوستوييفسكي) بل الأخري الأحادية الصوت (الهوموفونية) التي وجد مثالا لها في رواية تولستوي. وكان منطلقه أن الأحادية الصوت لا تنفي الحوار وحتي لو كان داخليا. ويذكر أن النثر الروائي في الخط الأول الذي أسماه بالأسلوبي، يتواجد عند حدود لغته، إنه محال حواريا الي الكلام المتعدد اللغات والمحاط به. كذلك يساهم هو في حوار اللغات. وعندما يبرمج هذا النثر، أي نثر الخط الأول، يكون موقعه في خلفية كلام متنوع اللغات، وعن طريق العلاقة الحوارية حسب مع هذا الكلام يتكشف المعني الفني لهذا النثر (6). وما يقوله باختين هنا يوّسع البعد الحواري لكامل الصنف الروائي الذي يعتبره ذا إمتياز فيما يخص البعد المذكور. بالطبع يكون الحوار قائما في الفنون الأخري للغة وله تأريخ طويل وبالغ الاهمية أيضا. ويتفرع من ظاهرة الحوار في الفنون وأعمال الفكر والفلسفة، الكثير من الظواهر الأخري. ولعل أبرزها ما يمكن تسميته بالوضع ما بين الأشخاص والذي ينشا علي قاعدة الحوار. وقد أخضع هذا الوضع الي تصنيف أساسي:
1 ــ علاقة دينامية بين أبطال الحوار.
2 ــ علاقة مستقرة (ستاتيكية). والوضع المذكور يخص شخصين علي الأقل يتبادلان الفعلين: الطرح والتلقي. ومفهوم أن اللغة ليست هي الوسيطة والشفرة الوحيدة لهذين الفعلين. فهناك الإيماءات وتعابير الوجه والحركات الأخري أيضا، أي أن الأمر لا يقتصرعلي الطرح الشفاهي أو الكتابي. أكيد أن معجم الوسائط غير اللغوية هو فقير للغاية بالمقارنة مع الطرح اللغوي مما يحرمها من لعب دور مهيمن. وتستخدم الشخوص في الرواية وغيرها شفرات متفق عليها ولكن ليس دائما، إذ يحفل الأدب بوقائع سوء تفسير الكلام أو الإشارات. والحوار هو بالأساس مؤطر بالزمان (فيما يتعلق بالمكان قد يجري الحوار في أكثر من مكان)، أي ما إتفق علي تسميته بالحوار المباشر، فلغير المباشر، وهو لا يخضع للزمكان عموما، سبل أخري كالرسائل وغيرها.
في الرواية الواقعية ينشأ الحوارويجري ويتصاعد وينتهي وفق منظورسردي معيّن لايعكس، في المحصلة، الواقع الفعلي. فالطرح يسبقه صوغه في مركز التفكير، كذلك سبق له أن خضع لقانون التفاعل interaction مما يمكن إيضاحه في هذا المخطط: طرح زيد ــ ردّ فعل عمرو ــ طرح عمرو ــ رد فعل زيد. وبعبارة أخري: تخص آلية التفاعل، وبذلك آلية الحوار، وليس فقط كل ما هو خارجي بل ما هو داخلي أيضا، أي وصل الخارجي بالداخلي. وتتنوع إمكانيات تقديم التفاعل. في الدراما نلقي عادة ردود الافعال بالشكل المباشر، فضرورات التقديم المسرحي التقليدي السارية لا تسمح بطرح الآخرالداخلي. وفي الرواية نلقي أيضا،علي الغالب، أمثلة كثيرة علي حلول مشابهة. وهو أمر مفهوم أن بيد السارد، أي الراوية، قراراللجوء الي الوسيطة التي تعينه في كشف التفاعل بين الخارجي والداخلي. مثلا لدي ميشيل بوتور في روايته (التحول) تكشفت ردود فعل البطل التفكيرية في حين أن العناصر الباقية من التفاعل بقيت غير مكشوفة.
ليس هناك قاعدة تحدد أسلوب تقديم التفاعل. فالدراماتورغيا تقرر أيّ عناصر للتفاعل تدخل العمل الأدبي وأيّ منها ينبغي إستثناؤها. إلا أن هذا الإجراء لا يعني أبدا أن التفاعل هو كلّ لا يقبل التقسيم.
إن التفاعل الذي يربط شخوص الرواية يملك أزاء الحدث القصّي إستقلاليته النسبية، إلا أنه بالرغم من ذلك يبقي، وخاصة في رواية القرن التاسع عشر، أحد عناصرها الجوهرية. ففي الرواية الكلاسية يخضع التفاعل للحدث، وهو يتم، بصورة ما، في حدث منفرد بينما يربط الفعل action نسقا كاملا من الأحداث في ما بينها. ويندر أن يسمح مثل هذا النظام من أحوال الإعتماد بتقديم كامل مجري التفاعل. وعلي الغالب يتم تقديم المقطع الذي يتكشف فيه السبب في نشوء الوضع التالي للعلاقة القائمة بين الشخوص. وفي الرواية المعاصرة بات واضحا أن الميل العام يتمثل بالحدّ من تبعية التفاعل للفعل السردي (الحدث القصّي). وصارت مادة الإهتمام دينامية حدث منفرد وبذلك دينامية التفاعل. في النتيجة يقود هذا كله الي ولادة نمط جديد من التكوين composition الروائي يختلف جذريا عن تكوين الرواية القائمة علي القص.
وبدل الأنساق المنظمة (بفتح الظاء) لأنساق الأحداث يجتاز التفاعل الفضاء الروائي ناشرا قانونه التيليولوجي teleological (أصل المصطلح من كلمة تيلوس اليونانية وتعني النهاية أو الحد أو الهدف. والتيليولوجية أي الخاتمية هي مذهب فلسفي يفيد بأن مجري الظواهر لا يحسم أمر السببية وحدها بل الغائية أيضا) الناتج من أنشطة الشخوص الساعية، في نطاق وضع معيّن، الي هدف مرسوم. وإلي جانب ذلك القانون يتحكم هنا نظام الأحداث chronology والسببية (وهذه تتخطي هنا حدود الأزمنة الثلاثة) وفي المحصلة يكسب التفاعل، بشكل ما، البعد الرابع. وبذلك يصبح تكوين الرواية القائم علي التفاعل بنية متباينة للغاية لاتذكرنا بالتكوين القصّي.

البطل الروائي مجمّع آليات
يظهر كتاب النثر القصصي أبطالهم وكأنهم مسجونون في طراز محدد. ولهذا السجن، أي حالة الإعتماد والتبعية، شتي الأنواع والدوافع: بطل متفوق فكريا لكنه مدحور إجتماعيا أو شعوريا أو العكس. والملاحظ أن الحوار يعكس، عادة، طبيعة العلائق بين الشخوص وهل هي دينامية أم ستاتيكية. وكل بطل روائي أو قصصي ساع الي هدفه هو (متورط) في لعبة محددة تكون وسيلته لبلوغ الهدف. والوضع القائم بين الشخوص هو أيضا وضع اللعبة التي تلزم فيها أصول معيّنة وتترتب علي خرقها عواقب معينة أيضا. والقضية تخص الكاتب إذا أراد أن يقدم مجري اللعبة من خلال أوضاع ناشئة بين الشخوص في أمكنة وأزمنة مختلفة أم وضع واحد في زمكان واحد. ويبقي المخطط الأساسي للعلاقات بين الشخوص في النص الأدبي والتي تنشأ وتتطوروتصل الخاتمة، يخص ثلاثة أدوار رئيسية:
1 ــ الطارح أي الذي يتكلم.
2 ــ المتلقي أي الذي يوّجه إليه الكلام.
3 ــ البطل الذي يجري الكلام عنه.
وهو أمر مفهوم أن هذه الأدوار الثلاثة لاتقرر بالدرجة ذاتها، الوضع الوجودي ولا الهوية الشخصية لهؤلاء الثلاثة. في الحقيقة يكون أمرا ممكنا وجود الثلاثة في عالم فعلي وخارجي إزاء النص وكأفراد، ولكن في الوجود الفعلي للبطل هو أمرلا أهمية له علي الإطلاق من زاوية فعل الإتصال. كذلك فمثل هذا المخطط لا يحول دون وجود آخرين عدا هؤلاء الثلاثة الذين هم، في الواقع، الأبطال جميعا، أي أن يكون هناك طارح جماعي ومتلق جماعي وبضعة رواة وهلم جرا. ومما لاشك فيه أن كل دور من الأدوار الثلاثة يمكن أن يقوم به أحدهم:
ــ الطارح والبطل ( زيد يقول لعمرو عن نفسه).
ــ البطل والمتلقي (زيد يقول لعمرو عن نفسه، أي عن عمرو)
ــ الطارح والمتلقي (زيد يقول لنفسه عن علي).
ومن المفهوم أن الإحتمال الثالث يتحقق كمونولوغ داخلي لزيد عن الشخص الثالث (علي). وهناك بالطبع إحتمال نشوء تجميع للأدوار يتمثل بالمونولوغ الداخلي ــ الداخلي (زيد يقول لنفسه عن نفسه)، وفي كل الأحوال يبقي هناك دور واحد وهو دور الطارح الذي يعتمد عليه وجود الدورين الاخرين. فرسم موقع الطارح، أي (أنا)، يقرر التقسيم الأساسي: المتلقي (أنت) والبطل (هو). فكامل نموذج الضمائر الثلاثة يعتمد علي الموقف إزاء الأول (أنا) أي الطارح. وعن إشكالية طبيعة الضمائر كتب أميل بينفينستE. Benveniste في مؤلفه المعروف (قضايا الألسنيات العامة) حيث بيّن أن نظام الضمائر يملك طبيعة علائقية وظرفية في إطار الطرح، ومع كل تبدل طاريءعلي موقف المتكلم، أي (أنا) يتم، من جديد، تحديد حالات التبعية الشخصية أي الضمائر.

الذات هي المركز الحقيقي للحوار

يجد باختين أن الحوار يتخطي بعيدا إطار الإتصال الشائع بين شخصين، وخارج الشكل التكويني الذي نلقاه في الأدب. إنه يدخل، بطريقة ما، كل كلمة، ولذلك يجد باختين أن الحوار يفرض منطقه الخاص في الحقل الذي أسماه بالآيديولوجيا. ويكتب في (قضايا شعرية دوستوييفسكي) بأن السرديات relations الحوارية هي ظاهرة أوسع من نظام للردود يعود الي حوارمحدّد تكوينيا، إنها ظاهرة عامة علي وجه التقريب ولاتنفصل عن النطق البشري وجميع التجارب وأشكال الإتصال بين الناس، وعن كل ما له معني وأهمية، وبعبارة أخري يري باختين أن الحوار يبدو كما لو أنه شكل سيميائي لكل تعارض فكري ونزاع آيديولوجي.والفكرة الثانية لنظرية مدرسة باختين كان قد عبّر عنها، ولو أنها كانت قد جاءت علي لسان فالنتين فولوشينوف،هي مدرسة الفرد أو بصورة أوسع، الفاعل. فالفرد كحامل لمضمون وعيه هو مسؤول عن مشاعره وأفكاره، ومثل هذا الفرد هو ظاهرة سوسيولوجية تماما. ولذلك يكون مضمون نفس الفرد إجتماعيا بطبيعته تماما مثلما تكون الآيديولوجيا إجتماعية شأن كل وعي بفرديته الخاصة التي تكون قوانينها الداخلية وإمتيازاتها واقعا آيدويلوجيا وتأريخيا يسهل وصفه عند الإستعانة بالشروط الإجتماعية. ولا يصعب هنا العثورعلي الأساس الماركسي لهذه الصياغة التي تكمن خطورتها الفعلية في الإستنتاج المترتب عليها: الفرد هو كامل شكل العلاقات الإجتماعية.. إلا أن هذه محض صياغة لم تلق إستمرارية لها في المرحلة الناضجة من تأريخ هذه المدرسة. وفيما يخص مفهوم الحوار دعا باختين الي ما يسمي بالميتا لغة لغرض فحص العلاقات الحوارية للكلمة. وهنا حصل الإفتراق مع فولوشينوف الذي وجد اللغة شأن الآيديولوجيا والشخصية والإقتصاد إنعكاسا للعلاقات الإجتماعية بل مضي أبعد حين أعلن بأن بنية الطرح والتجارب التي تعبّر عنها هي بنية إجتماعية صرف. وكما يبدو نسي هذا الباحث أن الطرح الذي هو، وكما قال، ظاهرة إجتماعية صرف يحوي في الوقت نفسه بنيته الخاصة الفونولوجية والمورفولوجية واللغوية (النحوية) وليست كلها تملك بالضرورة إحالتها الي البنية الإجتماعية.
من مفاهيم مدرسة باختين هناك ما أسماه بافيل مييدفييدييف، وكان باحثا آخر من مدرسة باختين، بالصياغة المزدوجة للحوار: الحوار المصغر وهو حوار داخلي بين الإشارات في النص، وحوار خارجي بين طارح النص ومتلقيه أي الحوار كإتصال commmunication.
تثير مسألة المساهمين والإسهام في الحوار شتي المواقف المتضاربة. ومنها يخص شروط الحد الأدني لقيام الحوار. فهناك الرأي القائل بأن الحوار أي المحادثة هو إنعكاس لمحادثة ملموسة تمثل تبادلا حيّا للآراء وعلي الأقل بين شخصين. وهذه هي حدود الشروط. وكما ذكرنا يجد فوسلير أن ذلك الحد الأدني يعني إسهام شخص واحد في المحادثة.. إذ ليست هناك من حاجة الي أيّ شخص آخر. وهو يري تفوقا للمونولوغ علي الديالوغ الذي لا يوفر الجوهري للمحادثة التي إذا جرت بين شخصين أو أكثر. فهي، بالأساس، لاتجري بينهم بل في حدود كل مشارك فيها، أي أن هذا الصنف من الحوار يسلط، وعلي العكس من المونولوغ، الضوء علي جزء من تلك العوالم الداخلية: (الحوار الداخلي). كذلك ينشأ الخلاف حول أسلوب المشاركة في الحوار. مثلا يجد فوسلير أن الشخص الواحد هو (حامل) الحوار، أما الباقون فهم مجرد (أدوار) فيه. وموكاشوفسكي يقسم المشاركين في الحوار الي (شخص سايكو ــ فيزيقي محدد) وفاعلين: الأول من ينطق بالإشارة اللغوية (المتكلم)، والثاني الذي تتوجه إليه الإشارة أي السامع). ويعتبرموكاشوفسكي أن المونولوغ يختلف عن الديالوغ بكون الـ(أنا)هي الناشطة بصورة مستمرة في حين أن ال(أنت)لا تقوم بأي فعل عدا (السماع)، وما الحوار إلا تبادلا متواصلا لهذين (الدورين). ولكن فوسلير يذكر بأن المحادثة مع النفس أي المونولوغ الداخلي يسمي عادة مونولوغا بينما تسمي المحادثة مع الآخرين ديالوغا. بالطبع هي لديه مسألة مسمّيات لاغير. فالمونولوغ هو محادثة نموذجية بل هي الأكثر كمالا من الحوار (الخارجي). وما هوجوهري للمحادثة يحصل في داخل الشخص نفسه، وحتي لو جري الحديث بين الناس فالحديث الحقيقي يجري في داخل كل واحد منهم. في نظرية باختين يكون طرفا الحوار مركزين للرؤية آيديولوجيين نلقاهما علي مستويات لغوية مختلفة وفي أشكال للحوارمختلفة أيضا. فحوار باختين هو حوار أفكار يمارس بمساعدة الكلمة الآيديولوجية. ووراء كل كلمة يقف المؤلف، ووراء كل فكرة تقف قوي إجتماعية تقيم فيما بينها الحوار. كذلك ينفي باختين (سلبية السامع) التي يفترضها موكاشوفسكي. فهذا السامع ليس بالسلبي أبدا، إذ أن عملية الفهم هي إيجابية شأن الكلام ولكنها تحتاج في أحيان كثيرة الي قدر أكبر من الطاقة. والحوار يدفع، عامة، الي بذل النشاط وإلغاء تقسيم موكاشفسكي الي متكلم إيجابي وسامع سلبي. وكان إفلاطون قد حدد الشروط النفسية للحوار ومنها الود والإنفتاح والتقبل الحاذق للحجج. ويبقي مخطط الحوار قائما علي إتجاهين: الأول هو التشكيك أو الإعتراض علي الطرح. والثاني هو الحل. الأول يبدأ من القول الذي سيكون موضع التشكيك والإعتراض ثم ينتهي بالتفنيد الذي هو نتيجة للأول. بالطبع هذا مخطط عام يحتاج الي تناول مفصل يوضح، مثلا، كيف أن الحل لا يعني دائما التفنيد بل إنتفاء الإعتراض أي الإتجاه الأول.

الطارح والمتلقي هما محض أدوار
نتفق جميعا بأن مرتبة الحوار تخلق مركز مراقبة مناسبا لتعميق المعرفة عن جوهر العمل الأدبي سواء علي صعيد ما يسمي بالعلاقات النصّية الداخلية والأخري ما بين النصوص. فالنص الأدبي هو خلق لعملية الإتصال، خلق لوعي ما، لصوت ما. وهذا الصوت يطالب علي الدوام بأن يكون هناك شريك له. ولعل الحوار الأساسي، وإن كان بالصورة غير المباشرة، يجري بين الطارح والمتلقي، أي بين الكاتب والقارئ. ويكتب باختين في (قضايا شعرية دوستوييفسكي) أن كل كلمة أدبية يتحسس بها السامع والقارئ والناقد بصورة أقل أو أكثر حدة وتعكس إعتراضه وتثمينه وموقع رؤيته. فالطارح يتقمص دورين هنا: دوره ككاتب ودوره كمتلق متخيّل(بفتح الياء) يقوم من خلاله بموضعة نيّاته الدلالتية. فالمتلقي يعيد بناء نيات الطارح. وعامة يخاطب المتكلم مستمعا محددا، بصورة موضوعية، ولكنه يخاطب، ذاتويا، الاخر المتخيّل. والسامع يستمع بصورة موضوعية الي متكلم فعلي، ويخلق، ذاتويا، صورة المتكلم التي يملك إزاءها رد الفعل. والمفارقة في الحوار تعتمد علي أن التفاهم يتم عبر هذه الأدوار الذاتوية التي تقترب، لدرجة أكبر أو أقل، من الأدوار الفعلية. وعلي هذا الأساس يمكن القول بأن الحوار الذي هو تغلب علي أحوال سوء التفاهم يكون، في سعيه الي الحقيقة، وبحكم بطبيعته، مثيرا للنزاع أيضا. ولا يقتصرالسبب هنا، علي أن الحوار يحرّك مختلف مراكز الرؤية بل لأنه يلقي المقاومة عند تقديم موقف طرف للحوار، أي (نقل) الموقف من صيغته التفكيرية الي الأخري اللغوية.
يفترض المتكلم، وهو يجيب علي السؤال، إعادة تشييد للعلاقة الحوارية وحتي لو كان المتكلم يسعي الي نشوء دور الشريك بل إملاء موقفه كما في الطروحات الآمرية. بالطبع هذه حالات للخطاب متطرفة. وفي الطرف المقابل نعثرعلي الخطاب المتعدد الأصوات والآخر الذي يدعو الشريك الي الكشف عن موقفه. ولكي نمسك بجوهر فعل الإتصال وكذلك طريقة توجيهه في النص الأدبي، لايكفي هنا إعادة تركيب العلاقات بين الجهات الفاعلة والشكل التنظيمي للطروحات والذي يوائمها (أي العلاقات). المهم هنا ليس فقط من يتكلم والي من بل محتوي الكلام ولأي غرض هو. وهذا يعني إرساء نظام للإحالة وآخر للقيم، وعلي هذا كله تتعزز دلالة عموم الطروحات الحوارية. وعدا الحوار الوارد في النص الأدبي يتكون حوار آخر بين هذا العمل ومتلقيه ــ إنها عملية ديالكتيكية لتفسير النص وقاض دلالات بوصلته موقع رؤية محدد. والنص الذي هو خلق لفعل إتصالي يقاد أيضا الي موقف إتصال ويطالب المتلقين بالجواب رغم أنه لم يبرمج أدوارهم جميعا.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1599 --- Date 2/9/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1599 --- التاريخ 2003 - 9 -

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية