العبقرية بين المدح والقدح

العبقرية بين المدح والقدح

زهير الخويلدي

"إن المبدع لنتاج يدين به لعبقريته لا يعرف هو نفسه كيف توجد فيه الأفكار الخاصة بهذا النتاج"[1]

أثار غياب الفيلسوف عن دائرة حضارة اقرأ منذ ابن رشد وابن خلدون حفيظة المثقفين والقراء حول الصفة التي تليق بمقام هذا الكاتب المنتظر والعالم الموعود والصفة التي يمكن أن تنعت بها المجهودات التنويرية التي يفترض أن يبذلها لتفادي حالة الضعف وموقف العجز ولكسب وسائل المنعة وإعداد القوة الفكرية. ولئن وصف بكونه متفلسفا حرا يسهم في تحريك العقل العربي ويعيد الاعتبار إلى الفلسفة الإسلامية وفق مناهج وآليات معاصرة فإن البعض الآخر قد يقللون من شأنه ويتعاملون معه على أنه مجرد مفكر ابستيمولوجي ومربي أناسي ومؤرخ للأنساق المعرفية. أما الفريق الثالث فقد يعتبره مصلحا دينيا وقارئا هرمينوطيقيا جيدا للقرآن والمدونة الشعرية والنثرية ومفجرا لثورة ثقافية تطال أهم العلوم الإنسية والصحيحة وتطرح من جديد إشكالية التراث والحداثة والخصوصية والكونية من منظور تقدمي.

 لكن الفرضية التي يمكن اختبارها في هذا الصدد هي مدى استحقاق مثل هؤلاء الأساطين المصلحين صفة العبقرية، فهل يجوز لنا أن نعتبر محب الحكمة عبقريا ؟ وماذا تعني كلمة عبقرية لغة واصطلاحا؟ وكيف يمكن التصرف فيها دون الوقوع في نظرة عنصرية أو حكم ثقافي متعال؟ وهل هناك عباقرة أخرون مازلوا على قيد الحياة ويمكن للمجتمعات العربية أن تستفيد من اجتهاداتهم وعلمهم؟ وكيف تتعامل الأنظمة السياسية معهم؟ وهل تشجعهم أم تتفادى آراءهم؟  وهل العبقرية  تحصل بالطبع أم يرتقي إليها المتعلمون بالاكتساب؟ وهل هي الذكاء والفطنة أم المهارة والصنعة؟ وهل تتجلى في الاختراع المادي للوسائل أم في التخطيط النظري للغايات؟ والى أي مدى يسمى كل مبدع عبقريا؟  وما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والعبقرية ؟ وهل نشجع الإبداع من أجل الرقي أم نحاصره خشية الفتنة والاضطراب الذي يحصل في النفوس؟ فمن هو الذي يستحق شرف تسمية عبقري؟ ألم يعتبر عباس محمود العقاد النبي محمد (صلعم) والخلفاء( رضع)  بدرجة أقل من عباقرة الإنسانية؟ وهل يمكن أن نعتبر العبقرية بعد ختم النبوة صفة بشرية يجوز إطلاقها على الكائن الآدمي المتناهي؟

ينظر العامة إلى العبقري على أنه شخص غالبا ما يكون صاحب بدعة ولا يحسن التعلم والتقليد وجاهل بأصول المعرفة المتداولة ونظام الفكر وغير ناجح بالمعنى الوظيفي بل منغمس في الخيال ومصاب بالجنون ويعشق الثورة والتمرد وهو أبله ومشعوذ "ينشر من حوله الضباب كي لا نستطيع أن نحكم بوضوح" ولذلك فهو منفر ويأتي أشياء من قبيل العجيب والغريب التي لا ترضي أحد.

بيد أن التروي والمداولة بشان هذا العصفور النادر يفضيان إلى التصريح بأن العبقري هو الموهوب المخترع الذي لا يعيش وفق نظام العقل وهديه بل يخط لنفسه أسلوب في الحياة يبدعه بنفسه ويظهر في عيون معاصريه أمرا غير مألوف. وليست الصدفة هي التي تجعل من بعض الناس عباقرة ولا الحظ بل هناك عوامل وراثية وثقافية ونداء وجود ورسالة من الحضارة يتكفل البعض بحملها واستئنافها.

إن البحث الإتيمولوجي يقودنا إلى القول بأنه قد جاء في لسان العرب ما يلي:" عبقر موضع في البادية كثير الجن... نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذقه أو جودة صنعته...كلما رأوا شيئا فائقا غريبا مما يصعب عمله ويدق أو شيئا عظيما في نفسه نسبوه إليها (الجن) فقالوا عبقري ثم اتسع فيه حتى سمي به السيد الكبير...وأصل العبقري صفة لكل ما بولغ في وصفه...وعبقري القوم سيدهم وقيل العبقري الذي ليس فوقه شيء والعبقري الشديد... وهو الفاخر"[2].

أما في اللاتينية فهو اسم مشتق من كلمة genius  التي تعني الإله الذي يسطر الميلاد ومصير كل إنسان وهذا المعنى هو قريب من معنى اللفظ الإغريقي Daimon  الذي يشير إلى قوة الهبة تدفع الأفراد نحو مصيرهم المحتوم. ونجد في محاورة أيون لأفلاطون ما يلي:" العبقري هو هذا الجن الإلهي الذي يلهم الفنان"[3] وهو كائن موهوب بالبركات الإلهية وموعود بمصير استثنائي.

 أما الدلالة السكولاستيكية فهي تفيد العطاء الذي يتميز به الفكر في مجال مخصوص مثل عبقري الرياضيات أو عبقري في قضاء الأعمال والعبقرية هنا هي مصدر الخلق والإبداع.

غير أن الكلمة ارتبطت بالاستطيقا وفلسفة الفن وخاصة بالرومنطيقية وتدل على القدرة الإبداعية لدي الفنان ولدى الشخص الذي يقدم عطاء ما. وعند كانط يتغير التحديد ليصبح ما يلي:" العبقرية هي استعداد فطري للفكر تعطي من خلاله الطبيعة قواعدها للفن."[4] من هذا المنطلق ينبغي حسب كانط أن نعتبر الفنون الجميلة صادرة بالضرورة عن عبقرية الفنان لاسيما وأن الفن لا يمكن أن يكون مجرد تطبيق لمعرفة قبلية وإنما هو نشاط إبداعي خال من أية قيمة معرفية.

إن العبقري حسب كانط يتميز بالخصال التالية:

-         الأصالة التي تعنى الأصلي والفطري والفريد وغير المتوقع نظرا لأنه لا يتمثل أي نموذج قبلي.

-         النموذجية التي تشير إلى أن الأثر عندما يتم الفنان إبداعه فإنه يصبح نمطا مثاليا لغيره من الآثار.

-         الإلغاز بحيث لا يستطيع الفنان أن يكون على دراية تامة بما ينتجه من آثار. كما يرى كانط فإن الطبيعة تحرس طابعها الإلغازي وان الخيال يبقى "فنا مخفيا في أعماق الطبيعة."[5]

يحسب لنيتشه أنه ربط العبقري بالمكابدة والقدرة على الانتصار على الذات والتجاوز فهو "يتدرب على طرح الأحجار ثم البناء والبحث عن مواد يشتغل عليها دائما"[6]. وإبداعية العبقري تشبه إلى حد كبير الميكانيكي الماهر وعلم الفلك أو المؤرخ. إن العبقرية ليست ادعاء ولا تظاهر وبروز وإنما هي انبثاق وحركية وإنتاج وفعل يثير الفضول ويقلب الأمور رأسا على عقب ويحرك التاريخ.

على خلاف ذلك ينبغي أن نحترس من أن تؤدي ايديولوجيا العبقرية إلى أرستقراطية اجتماعية وجنون العظمة والشعور بالتفوق على الآخرين مما ينتج الهويات المنطوية على ذاتها والانتلجينسيا السياسية  المزهوة بنفسها والآراء الثقافية الإقصائية التي قد تتسبب في اندلاع النزاعات والحرب ومشاعر الكراهية والتباغض بين الفئات مما يتعارض من دمقرطة التربية واحترام منظومة حقوق الإنسان بشكل منصف.

إن من استحق شرف تسمية عبقري هو من طينة أولئك الرجال العظام الذين شملتهم الآلهة برعايتهم والذين ينظمون قصائد مملوءة بالروح وتنبثق منهم أفكار مليئة بالخيال وحبلى بالمعاني ويسهموا في إكمال المعارف الإنسانية النافعة وإنضاج العقول وتطهير الأنفس وإصلاح المجتمعات. وغرابة الموقف أن العبقري لا يمتلك معجزات مثل النبي ولا كرامات مثلما يزعم الساحر وإنما يعول على ملكاته الطبيعية ليفتن الناس بموهبته ويضيف إلى الموجود بجرأته وإعادة تنظيمه لأشياء الكون على طريقته الخاصة.

هكذا تتنافى العبقرية مع نظام المؤسسة وروتينية التعليم وتتعارض مع روح المحاكاة والتقليد وتنشد التفوق والاجتهاد والامتياز وتولد من رحم المعاناة والمحن وتظهر عند أناس خبرتهم الحياة بنوائبها ومباهجها.

اللافت للانتباه أن العبقري لا يعترف بالفشل ولا يرضى بالهزيمة بل يفتش بلا ملل عن الانتصار ويرفع لغة التحدي والمثابرة ولذلك نراه يمتلك ذهنا متقدا وخيالا واسعا وذاكرة حافظة وإرادة صلبة وعزيمة جبارة ووعيا ثاقبا ولغة متنطعة وهو شخص عقلاني شرط أن نفهم من العقل ما كان قد عرفه المحاسبي بقوله هو :" غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقه...فمن عرف ما ينفعه وما يضره في أمر دنياه عرف أن الله تعالى قد من عليه بالعقل الذي ساب أهل الجنون وأهل التيه وسلب أكثره الحمقى الذين قلت عقولهم. وكذلك معرفة بعضهم من بعض بظاهر فعل الجوارح."[7]

ما نلاحظه في هذا الزمن الجدب أن الناشئة العربية تبحث عن أفكار الرفعة والنهوض وتحبذ إرادة القوة وتسعى وراء نحت الشخصية الرسالية ولذلك تحتاج إلى أنموذج العبقرية من أجل فك الارتباط مع نفسية الاستسلام واللامبالاة واكتساب مهارات في التمدن والترقي وتفجير طاقات الإبداع الكامنة فيها.  لكن هل العبقري هو الذي يتجنب المضرة ويطلب المنفعة حتى يجيب بما يعقل؟ أليس الأحرى به أن يذهب إلى اللب والجوهر ويعيش صفوة الروح؟ وألا يكون العقل نورا في القلب يبصر به العبقري بعد أن كان قد وضعه الله طبعا وغريزة؟ ألا تحتاج الثقافة العربية في زمن فقدان البوصلة إلى تشجيع روح العبقرية وتفضيل منطق الاختراع من أجل الاستئناف الحضاري وإمساك زمام المبادرة؟

المراجع:

ابن المنظور، لسان العرب المحيط، المجلد الرابع، دار الجيل، بيروت، طبعة 1988.                      الحارث بن أسد المحاسبي، العقل وفهم القرآن،  مائية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه، تحقيق حسين القوتلي، دار الكندي للطباعة والنشر والتوزيع،الطبعة الثالثة 1982

E. Kant, Critique de la faculté de juger, Vrin, Paris, 1993.

Nietzsche, Humain, trop humain ,Id Gal, t1

Platon, Ion, in Œuvres complètes, PL Gal,

 

كاتب فلسفي

 



[1]E. Kant, Critique de la faculté de juger, Vrin, Paris, 1993. p.128.

 

[2] ابن المنظور، لسان العرب المحيط، المجلد الرابع، دار الجيل، بيروت، طبعة 1988، ص.ص.671-672.

[3]Platon, Ion, in Œuvres complètes, PL Gal, 533e, p.62.

[4]E. Kant, Critique de la faculté de juger, Vrin, Paris, 1993 .p.128.

[5]E. Kant, Critique de la faculté de juger, Vrin, Paris, 1993.p.128.

[6]F. Nietzsche, Humain, trop humain ,Id Gal, t1,p.167.

[7] الحارث بن أسد المحاسبي، العقل وفهم القرآن،  مائية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه، تحقيق حسين القوتلي، دار الكندي للطباعة والنشر والتوزيع،الطبعة الثالثة 1982.ص.202.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية